وممن ذكر القولين: أبو القاسم الراغب١ في "تفسيره"٢، فقال: "واختلف في الجنة التي أُسْكِنَها آدم، فقال بعض المتكلِّمين: كان بستانًا جعله الله تعالى له امتحانًا، ولم يكن جنة المأوى".
ثمَّ قال: "ومن قال: لم تكن جنة الخلد٣؛ لأنه لا تكليفَ في الجنة، وآدمُ كان مكلَّفًا".
قال: "وقد قيل في جوابه: إنما٤ لا تكونُ دارَ تكليف٥ في الآخرة، ولا يمتنعُ أن تكون في وقتٍ دارَ تكليفٍ دون وقت، كما أنَّ الإنسانَ يكونُ في وقتٍ مكلَّفًا دون وقت".
وممن ذكر الخلافَ في المسألة: أبو عبد الله ابن الخطيب الرازي في "تفسيره"٦، فذكر هذين القولين، وقولًا ثالثًا ــ وهو التوقُّف ــ، قال: "لإمكان الجميع وعدم الوصول إلى القطع"، كما سيأتي حكايةُ كلامه.
ومن المفسرين من لم يذكر غير هذا القول، وهو أنها لم تكن جنة الخلد، إنما كانت حيثُ شاء الله من الأرض.
قالوا: وكانت تطلعُ فيها الشمسُ والقمر، وكان إبليسُ فيها ثمَّ أُخرِج.
وممن ذكر القولين ــ أيضًا ــ: أبو الحسن الماوردي، فقال في "تفسيره"٢:
"واختُلِفَ في الجنة التي أُسْكِناها٣ على قولين:
أحدهما: أنها جنة الخلد.
الثاني: أنها جنةٌ أعدَّها اللهُ لهما، وجعلها دارَ ابتلاء، وليست جنةَ الخلد التي جعلها اللهُ دارَ جزاء.
ومن قال بهذا اختلفوا فيه على قولين:
أحدُهما: أنها في السماء؛ لأنه أهبطهما منها. وهذا قولُ الحسن.
الثاني: أنها في الأرض؛ لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نُهِيا عنها دون غيرها من الثمار. وهذا قولُ ابن بحر٤.
(١) كذا في الأصول.
(٢) (١/ ١٠٤، ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩). وسقط من مطبوعته ذكر الخلاف الثاني. والماورديُّ يحكي في كتابه كثيرًا أقوال المعتزلة دون تعقُّب، ويوافقهم في بعضها، ومن هنا اتهمه ابن الصلاح بالاعتزال، وحذَّر من تفسيره، وتبعه الذهبي، ودافع عنه ابن حجر بأن المسائل التي وافق اجتهادُه فيها مقالاتِ المعتزلة معروفةٌ معدودة، ولا ينبغي أن يطلق عليه بها اسم الاعتزال. انظر: "طبقات الشافعية" لابن الصلاح (٢/ ٦٣٨)، و"الميزان" (٣/ ١٥٥)، و"لسان الميزان" (٤/ ٢٦٠)، و"إرشاد الأريب" (١٩٥٥).
(٣) (ت، ح): "أسكنها".
(٤) في الأصول، ومعظم نسخ "البداية والنهاية" (١/ ١٧٧): "ابن يحيى". وفي نسخة من "البداية والنهاية": "ابن جبير". وكله تحريف. ووقع على الصواب في "حادي الأرواح" (٤٨). وهو أبو مسلم الأصبهاني، محمد بن بحر (تقدمت ترجمته)، مشهورٌ بهذه النسبة، ويذكره بها كثيرًا الماورديُّ في تفسيره (انظر: ٢/ ٢٠٤، ٤٥٠، ٤/ ٨٣، ٢١٣، وغيرها)، وابنُ الجوزي في "زاد المسير"، والقرطبي، وغيرهم.