مفتاح دار السعادة

قال الربيع: فكان كما قال١.

وقال الربيع: ما رأيتُ أفطنَ من الشافعي، لقد سمَّى رجالًا ممَّن يصحبُه، فوصف كلَّ واحدٍ منهم بصفةٍ ما أخطأ فيها، فذكر المزنيَّ والبويطيَّ وفلانًا وفلانًا، فقال: ليفعلنَّ فلانٌ كذا، وفلانٌ كذا، وليصحبنَّ فلانٌ السلطان وليقلَّدنَّ القضاء.

وقال لهم يومًا وقد اجتمعوا: ما فيكم أنفعُ [لي] من هذا ــ وأومأ إليَّ ــ؛ لأنه أمثلُكم ناحية٢. وذكر صفاتٍ غير هذه. قال: فلمَّا مات الشافعيُّ صار كلٌّ منهم إلى ما ذَكَر فيه، ما أخطأ في شيءٍ من ذلك.

وقال حرملة: لمَّا وقع الشافعيُّ في الموت خرجنا من عنده، فقلت لأبي: يا أبت، كلُّ فراسةٍ كانت للشافعيِّ أخذناها يدًا بيد، إلا قولَه: يقتلُني أشقر، وها هو في السِّياق. فوافَينا عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو، فقلنا: إلى أين؟ قالا: إلى الشافعي، فما بلغنا المنزلَ حتى أدركنا الصُّراخ عليه، قلنا: مَه! ما لكم؟! قالوا: مات الشافعي، فقال أبي: من غمَّضه؟ قالوا: يوسفُ بن عمرو٣، وكان أزرق!

وهذه الآثارُ وغيرها ذكرها ابنُ أبي حاتم والحاكم في مصنَّفيهما في «مناقب الشافعي»، وهي اللائقةُ بجلالته ومنصبه، لا ما باعدَه الله منه من

  1. (١) «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٣٦).
  2. (٢) مهملة في (د). (ق): «بأخيه». والمثبت من (ت) و«مناقب الشافعي» (٢/ ١٣٧)، إلا أن في «المناقب»: «أسلمكم» بدل «أمثلكم».
  3. (٣) يوسف بن عمرو بن يزيد الفارسي. فقيهٌ صدوق. انظر: «مناقب الشافعي» (١/ ٤٥٥)، و«تهذيب الكمال» (٣٢/ ٤٤٨).
1452

أكاذيب المنجِّمين وهذياناتهم، والله أعلم١.

* وأمَّا ما احتَجَّ به٢ من أنَّ فرعون كان يذبحُ أبناءَ بني إسرائيل ويستحيي نساءهم؛ لأنَّ المفسِّرين قالوا: كان ذلك بأنَّ المنجِّمين أخبروه بأنه سيجيء في بني إسرائيل مولودٌ يكونُ هلاكُه على يديه.

فأكثرُ المفسِّرين إنما أحالوا ذلك على خبر الكهَّان.

وروى بعضهم أنَّ قومَه أخبروه بأنَّ بني إسرائيل يزعمون أنه يولدُ منهم مولودٌ يكونُ هلاكُه على يديه.

وهاتان الرِّوايتان هما الدَّائرتان في كتب المفسِّرين٣، وأمَّا هذه الرواية: أنَّ المنجِّمين قالوا له ذلك؛ فغايتُها أنها من أخبار أهل الكتاب٤

  1. (١) جماهير الشافعية على تحريم التنجيم، تعلمًا وتعليمًا وعملًا وبيعًا لكتبه. انظر: «المجموع» (١/ ٢٧، ٩/ ٢٥٣)، و«روضة الطالبين» (٩/ ٣٤٦)، و«مغني المحتاج» (٢/ ١٢، ٤/ ١٢٠، ٢١٠)، وغيرها.
    واغترَّ بعضهم بما نُسِب إلى الشافعي من هذه الحكايات، فذهب إلى أن المحرَّم هو اعتقاد تأثير النجوم، فحسب. انظر: «طبقات الشافعية» لتاج الدِّين السبكي (٢/ ١٠١، ١٠٢).
  2. (٢) أي الرازي.
  3. (٣) انظر: «تفسير الطبري» (٢/ ٤٥)، «الدر المنثور» (١/ ١٦٦).
  4. (٤) تقدم (ص: ١٣٥٦) أنها وردت عن قتادة وابن إسحاق. ولا أرى وجهًا لدفعها وإقامة الخلاف بينها وبين الروايات الأخرى، فالكل واردٌ من تفاسير السلف، ولو ثبت أنَّ من أشار على فرعون هم المنجمون، وأنَّ التنجيم كان معروفًا لعهده، وأنهم أصابوا في نجامتهم، فيكون ماذا؟! والمنجِّم قد يصيبُ على جهة التخمين والتخرُّص. والظاهر أنهم كانوا كهانًا ينظرون في النجوم، كما ورد في بعض الروايات أنهم حزَّاؤون، والمنجِّم منهم من يسمِّيه كاهنًا. انظر: «شرح السنة» (١٢/ ١٨٢).
1453

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي