مفتاح دار السعادة

وقد خالفها غيرُها من الروايات، فكيف يسوغُ التمسُّكُ بها في الأمر العظيم؟!

وفي أخبار الكهَّان ما هو أعجبُ١ من ذلك، فقد أخبروا بظهور خاتم الرسل محمَّد ﷺ قبل ظهوره، وذلك موجودٌ في دلائل النبوَّة٢.

ونحن لا ننكرُ علمَ تَقْدِمة المعرفة بأسبابٍ مفضيةٍ إليه تختلف قُوى الناس في إدراكها وتحصيلها، وإنما كلامنا معكم في أصول علم الأحكام وبيان فسادها وكذب أكثر الأحكام التي يُسْنِدُونها إليها، وبيان أنَّ ضررَ هذا العلم لو كان حقًّا أعظمُ٣ من نفعه في الدنيا والآخرة، وأنَّ أهلَه لهم أوفرُ نصيبٍ من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢].

وأهلُ هذا العلم أذلُّ الناس في الدنيا، لا يُمْكِنُ أحدًا منهم أن يأكلَ رزقَه بهذا العلم إلا بأعظم ذُلٍّ، وعزيزُهم لا بدَّ أن يتعبَّد وينضوي إلى مكَّاسٍ أو ديوانٍ أو والٍ يكونُ تحت ظلِّه وفي كنفِه، وسائرُهم على الطُّرقات وفي كِسَرِ الحوانيت مُدَسَّسين.

صيدُهم كلُّ ناقص العقل والإيمان والدِّين؛ مِن صبيٍّ أو امرأة، أو حمارٍ في مِسْلاخ آدميٍّ، أو ذُبابِ طمَعٍ٤ لو لاحَ لأحدهم طمعٌ في عبادة الأصنام

  1. (١) (ت): «أعظم».
  2. (٢) انظر: «دلائل النبوة» للبيهقي (٢/ ٢٤٣ - ٢٥٤).
  3. (٣) (ص): «أكثر».
  4. (٤) رأى طلحة ﵁ قومًا يمشون معه، فقال: ذبابُ طمَعٍ وفَراشُ نار. أخرجه ابن أبي الدنيا في «التواضع والخمول» (٥٠)، و«العزلة» (١٥٦). ورُوِيَت عن الحسن في حديثٍ أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٢) وغيره. وتُذكَر في الأمثال. انظر: «الحيوان» (٣/ ٣٠٤)، و«غريب الحديث» لابن قتيبة (٢/ ٤١٠)، و«ثمار القلوب» (٧٣٠).
1454

والشمس والقمر والنجوم لكان أولَ العابدين.

ورأسُ مالهم الكذبُ والزَّرْقُ وأخذُ أحوال السائل منه ومن فَلَتات لسانه وهيأته وأغراضه١، فيخبرونه بما يناسبُ ذلك من أحواله، فينفعلُ عقلُه لهم، ويقول: لقد أُعطِي هؤلاء علمًا٢ لم يُعْطَهُ غيرُهم.

وتراهم في الغالب يقصدُ أحدُهم قريةً أو دكَّانًا منزويًا عن الطريق، ويَصْلِي فيه للصَّيد٣، وينصبُ الشَّبكة، فإذا لاحَ له بدويٌّ أو حبشيٌّ٤ أو تركمانيٌّ فإنه يَسْتَبْرِك بطلعته، ويقول له: اجلِس حتى أبيِّن لك ما يقتضيه نجمُك وطالعُك، وبيتُ مالك، وبيتُ فراشك، وبيتُ أفراحك وهمومك، وكم بقي عليك من القَطْع٥.

  1. (١) (ق، د، ص): «وأعراضه». بالمهملة.
  2. (٢) (ق): «عطاء».
  3. (٣) أي: ينصب شِرَاكه، ليوقعه. «اللسان» (صلا)، و«الأساس» (صلي).
  4. (٤) (د، ق، ص): «خشني». (ت): «خنثي». والمثبت من (ط)، وهو أشبه؛ فإنه لا مزية للخشنيين في هذا السياق، والأحباش فالعبيدُ منهم كثير.
  5. (٥) القطع عند المنجمين: اقترانٌ للنجوم يحدُث عنه مكروهٌ وشرٌّ بحسب الطالع، وقد ينقضي دون وقوع المكروه إن أمكن الاحترازُ منه. ويكنُّون به عن الموت، وأنه قطعٌ للحياة بحادثٍ يعرض للحيِّ. انظر: «فرج المهموم» (١، ٣، ٤٦، ٥١، ٥٥، ٦٧، ٦٩، ٧٠، ٨٢)، و«تحسين القبيح وتقبيح الحسن» للثعالبي (٣٥، ٣٦)، و«نشوار المحاضرة» (٢/ ٣٣٠)، و«تكملة المعاجم» لدوزي (٨/ ٣١٧).
1455

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي