الزمان مشتغلين بهذا العلم ومعوِّلين عليه في معرفة المصالح، ولو كان هذا العلمُ فاسدًا بالكلِّية لاستحال إطباقُ أهل المشرق والمغرب عليه».
فانظُر ما في [هذا] الكلام من الكذب والبَهْت والافتراء على العالَم من أوَّل بنائه إلى آخره؛ فإنَّ آدمَ وأولادَه كانوا برآء من ذلك، وأئمَّتكم معترفون بأنَّ أوَّل من عُرِفَ عنه الكلامُ في هذا العلم وتُلُقِّيت عنه أصولُه وأوضاعُه هو إدريسُ النبيُّ ﷺ١، وكان بعد بناء هذا العالَم بزمنٍ طويل، هذا لو ثبتَ ذلك عن إدريس٢، فكيف وهو من الكذب الذي ليس مع صاحبه إلا مجردُ القول بلا علمٍ والكذب على رسول الله؟!
أوليس من الفرية والبَهْت أن يُنسبَ هذا العلمُ إلى أمَّة موسى في زمنه وبعده، وأنهم كانوا معوَّلهم في مصالحهم على هذا العلم، وكذلك أمَّةُ عيسى وأمَّةُ يونس، والذين آمنوا مع نوحٍ ونجوا معه في السفينة؟!
وحسبك بهذا الكذب والافتراء على تلك الأمَّة المضبوطِ أمرُها المحفوظِ فعلُها، فهل كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه يعوِّلون على هذا العلم ويعتمدون عليه في مصالحهم، أو قرنُ التابعين بعدهم٣، أو قرنُ تابعي التابعين؟!
وهذه هي خيارُ قرون العالم على الإطلاق، كما أنَّ هذه الأمَّة خيرُ أمَّةٍ أخرجت للناس، وهم أعلمُ الأمم وأعرفُها، وأكثرُها كتبًا وتصانيف، وأعلاها
شأنًا، وأكملُها في كلِّ خيرٍ ورشدٍ وصلاح، كما ثبت في المسند وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «أنتم تُوَفُّون سبعين أمَّة، أنتم خيرُها وأكرمُها على الله»١.
فهل رأيتَ خيارَ قرون هذه الأمَّة والموفَّقين من خلفائها وملوكها وساداتها وكبرائها معوِّلين على هذا العلم أو معتمدين عليه في مصالحهم؟! وهذه سِيَرُهم ما بِعَهْدِها٢ مِن قِدَم، ولا يتأتَّى الكذبُ عليهم.
هذا، وقد أُعطُوا من التأييد والنصر والظَّفر بعدوِّهم والاستيلاء على ممالك العالم ما لم يظفر به أحدٌ من المعوِّلين على أحكام النجوم، بل لا تجدُ المنجِّمين إلا ذِمَّةً٣ لهم لولا اعتصامُهم بحبلٍ منهم لقُطِّعت حبالُ أعناقهم، ولا تجدُ المعوِّلين على هذا العلم إلا مخصوصين بالخِذلان والحرمان، وهذا لأنهم حقَّ عليهم قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾[الأعراف: ١٥٢]، قال أبو قِلابة: «هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمَّة إلى يوم القيامة»٤.
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣)، والترمذي (٣٠٠١)، وابن ماجه (٤٢٨٨)، وغيرهم من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم (٤/ ٨٤) ولم يتعقبه الذهبي.
(٢) (ق): «يعهدها». وهي مهملة في (ت، د). وفي (ص): «وما نعهدها». والصواب ما أثبت. وهي جملةٌ يكثر دورانها، وردت في شعر الأحوص والشريف الرضي وغيرهما. وانظر: «الصواعق المرسلة» (١٥٥١).