مفتاح دار السعادة

شأنًا، وأكملُها في كلِّ خيرٍ ورشدٍ وصلاح، كما ثبت في المسند وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «أنتم تُوَفُّون سبعين أمَّة، أنتم خيرُها وأكرمُها على الله»١.

فهل رأيتَ خيارَ قرون هذه الأمَّة والموفَّقين من خلفائها وملوكها وساداتها وكبرائها معوِّلين على هذا العلم أو معتمدين عليه في مصالحهم؟! وهذه سِيَرُهم ما بِعَهْدِها٢ مِن قِدَم، ولا يتأتَّى الكذبُ عليهم.

هذا، وقد أُعطُوا من التأييد والنصر والظَّفر بعدوِّهم والاستيلاء على ممالك العالم ما لم يظفر به أحدٌ من المعوِّلين على أحكام النجوم، بل لا تجدُ المنجِّمين إلا ذِمَّةً٣ لهم لولا اعتصامُهم بحبلٍ منهم لقُطِّعت حبالُ أعناقهم، ولا تجدُ المعوِّلين على هذا العلم إلا مخصوصين بالخِذلان والحرمان، وهذا لأنهم حقَّ عليهم قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، قال أبو قِلابة: «هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمَّة إلى يوم القيامة»٤.

  1. (١) أخرجه أحمد (٥/ ٣)، والترمذي (٣٠٠١)، وابن ماجه (٤٢٨٨)، وغيرهم من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
    وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم (٤/ ٨٤) ولم يتعقبه الذهبي.
  2. (٢) (ق): «يعهدها». وهي مهملة في (ت، د). وفي (ص): «وما نعهدها». والصواب ما أثبت. وهي جملةٌ يكثر دورانها، وردت في شعر الأحوص والشريف الرضي وغيرهما. وانظر: «الصواعق المرسلة» (١٥٥١).
  3. (٣) أي: كأهل الذمة.
  4. (٤) تقدم (ص: ١٤٢٢).
1462

نعم؛ لا نُنكِرُ أنَّ هذا العلمَ له طلبةٌ مشغولون به، معتنون بأمره، وهذا لا يدلُّ على صحَّته، فهذا السِّحرُ لم يزل في العالم من يشتغلُ به ويتطلَّبه أعظمَ من اشتغاله بالنجوم وطلبه لها بكثير، وتأثيرُه في الناس مما لا يُنْكَر، أفكان هذا دليلًا على صحَّته؟!

وهذه الأصنامُ لم تَزل تُعْبَدُ في الأرض من قبل نوحٍ وإلى الآن، ولها الهياكلُ المبنيَّةُ والسَّدنة، ولها الجيوشُ التي تُقاتِلُ عنها وتحارِبُ لها، وتختارُ القتلَ والسَّبيَ وعقوبةَ الله ولا تنتهي عنها، أفيدلُّ هذا على صحَّة عبادتها، وأنَّ عُبَّادَها على الحقِّ؟!

ومن العجب قولُه: «لو كان هذا العلمُ فاسدًا لاستحالَ إطباقُ أهل المشرق والمغرب من أوَّل بناء العالم إلى آخره عليه»!

وليس في الفرية أبلغُ من هذا، ولا في البهتان، أترى هذا الرجلَ ما وقف على تأليفٍ لأحدٍ من أهل المشرق والمغرب في إبطال هذا العلم والردِّ على أهله؟!

فقد رأينا نحن وغيرنا ما يزيدُ على مئة مصنَّفٍ في الردِّ على أهله وإبطال أقوالهم، وهذه كتبهم بأيدي الناس، وكثيرٌ منها للفلاسفة الذين يعظِّمهم هؤلاء ويرونَ أنهم خلاصةُ العالَم، كالفارابي وابن سينا وأبي البركات الأوحد وغيرهم، وقد حكينا كلامَهم١.

وأمَّا الردودُ في ضمن الكتب حينَ٢ يُرَدُّ على أهل المقالات، فأكثرُ

  1. (١) فيما تقدم (ص: ١١٩٥، ١١٨٢، ١٢٨٩).
  2. (٢) في الأصول: «حتى». تحريف. والمثبت من (ط).
1463

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي