مفتاح دار السعادة

من أن تُذْكَر، ولعلَّها أن تزيد على عِدَّة الألف١، تجدُ في كلِّ كتابٍ منها الردَّ على هؤلاء، وإبطالَ مذهبهم، ونسبتَهم إلى الكذب والزَّرْق.

ولو أنَّ مقابلًا قابَله، وقال: لو كان هذا العلمُ صحيحًا لاستحالَ إطباقُ أهل المشرق والمغرب على ردِّه وإبطاله، لكان قولُه من جنس قوله، ولكنَّ أهلَ المشرق٢ فيهم هذا وهذا، كما يشهدُ به الحِسُّ والتواريخُ القديمةُ والحديثة.

ولقد رأينا من الردود القديمة قبل قيام الإسلام على هؤلاء ما يدلُّ على أنَّ العقلاء لم يزالوا يشهدون عليهم بالجهل وفساد المذهب، وينسبُونهم إلى الدَّعاوى الكاذبة والآراء الباطلة التي ليس مع أصحابها إلا القولُ بلا علم.

فصل

* وأمَّا ما ذكره في أمر الطَّالع عن الفُرس، وأنهم كانوا يعتنون بطالع مَسْقَط النطفة، وهو طالعُ الأصل، ثمَّ يُحْكَم بموجَبه، حتى يُحْكَم بعدد السَّاعات التي يمكثُها الولدُ في بطن أمِّه= فهذا من الكذب والبَهْت، ومن أراد أن يختبرَ كذبَه فليجرِّبه، فإنَّ تجربةَ مثل هذا ليست ممتنعةً٣ ولا عَسِرَة.

ثمَّ إنَّ هذا الواطاء لا علمَ له ولا لأحدٍ أنَّ الولدَ إنما يُخْلَقُ من أوَّل وطئه الذي أنزَل فيه دون ما بعده، وإن فُرِض أنه أمسكَ عن وطئها بعد المرة

  1. (١) (ق): «عدَّة آلاف». (ت): «على الاف». (ص): «على الألف».
  2. (٢) كذا في الأصول، لم يذكر المغرب، واحتمال السهو والقصد قائمان.
  3. (٣) (ق): «مشقة». تحريف.
1464

الأولى وحَبَسها بحيث يتيقَّن أنَّ غيره لم يَقْرَبها ــ وهذا في غاية النُّدرة ــ لم يمكن المنجِّم أن يعلم أحوالَ ذلك المولود، ولا تفاصيل أمره البتَّة، ومدَّعي ذلك مجاهرٌ بالكذب والبَهْت.

وقد اعترف القومُ بأنَّ طالعَ الولادة مستعارٌ لا يفيدُ شيئًا؛ لأنَّ الولدَ لا يحدثُ في ذلك الوقت، وإنما ينتقلُ من مكانٍ إلى مكان.

وقد اعترفوا بأنَّ ضبطَه متعسِّرٌ جدًّا، بل متعذِّر، فإنَّ في اللحظة الواحدة من اللحظات تتغيَّرُ نَصْبةُ١ الفلك تغيُّرًا لا يُضبَطُ ولا يحصيه إلا الله الذي هو بكل شيء عليم، ولا ريب أنَّ الطَّالعَ يتغيَّر بذلك تغيُّرًا عظيمًا لا يمكنُ ضبطُه.

وقد اعترفوا هم بهذا، وأنَّ سببَ هذا التفاوت يُحِيلُ أحكامَهم، واعترفوا بأنه لا سبيل إلى الاحتراز من ذلك.

فأيُّ وثوقٍ لعاقلٍ بهذا العلم بعد هذا كلِّه؟!

وقد بينَّا أنَّ غايةَ هذا لو صحَّ وسَلِمَ من الخلل جميعُه ــ ولا سبيل إليه ــ لكان جزءَ السَّبب والعلَّة، والحكمُ لا يضافُ إلى جزء سببه، ثمَّ لو كان سببًا تامًّا فصوارفُه وموانعه لا تدخلُ تحت الضبط البتَّة، والحكمُ إنما يضافُ إلى وجود سببه التامِّ وانتفاء مانعه، وهذه الأسبابُ والموانعُ مما لا تدخلُ تحت حصرٍ ولا ضبطٍ إلا لمن أحصى كلَّ شيءٍ عددًا، وأحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، لا إله إلا هو علَّام الغيوب٢.

  1. (١) (ت): «يتغير بضبط».
  2. (٢) انظر ما تقدم (ص: ٧٤٨)، و«مجموع الفتاوى» (٨/ ١٧٢، ٢٥/ ١٩٨، ٣٥/ ١٧٣، ١٧٨).
1465

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي