الأولى وحَبَسها بحيث يتيقَّن أنَّ غيره لم يَقْرَبها ــ وهذا في غاية النُّدرة ــ لم يمكن المنجِّم أن يعلم أحوالَ ذلك المولود، ولا تفاصيل أمره البتَّة، ومدَّعي ذلك مجاهرٌ بالكذب والبَهْت.
وقد اعترف القومُ بأنَّ طالعَ الولادة مستعارٌ لا يفيدُ شيئًا؛ لأنَّ الولدَ لا يحدثُ في ذلك الوقت، وإنما ينتقلُ من مكانٍ إلى مكان.
وقد اعترفوا بأنَّ ضبطَه متعسِّرٌ جدًّا، بل متعذِّر، فإنَّ في اللحظة الواحدة من اللحظات تتغيَّرُ نَصْبةُ١ الفلك تغيُّرًا لا يُضبَطُ ولا يحصيه إلا الله الذي هو بكل شيء عليم، ولا ريب أنَّ الطَّالعَ يتغيَّر بذلك تغيُّرًا عظيمًا لا يمكنُ ضبطُه.
وقد اعترفوا هم بهذا، وأنَّ سببَ هذا التفاوت يُحِيلُ أحكامَهم، واعترفوا بأنه لا سبيل إلى الاحتراز من ذلك.
فأيُّ وثوقٍ لعاقلٍ بهذا العلم بعد هذا كلِّه؟!
وقد بينَّا أنَّ غايةَ هذا لو صحَّ وسَلِمَ من الخلل جميعُه ــ ولا سبيل إليه ــ لكان جزءَ السَّبب والعلَّة، والحكمُ لا يضافُ إلى جزء سببه، ثمَّ لو كان سببًا تامًّا فصوارفُه وموانعه لا تدخلُ تحت الضبط البتَّة، والحكمُ إنما يضافُ إلى وجود سببه التامِّ وانتفاء مانعه، وهذه الأسبابُ والموانعُ مما لا تدخلُ تحت حصرٍ ولا ضبطٍ إلا لمن أحصى كلَّ شيءٍ عددًا، وأحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، لا إله إلا هو علَّام الغيوب٢.
(١) (ت): «يتغير بضبط».
(٢) انظر ما تقدم (ص: ٧٤٨)، و«مجموع الفتاوى» (٨/ ١٧٢، ٢٥/ ١٩٨، ٣٥/ ١٧٣، ١٧٨).
فلو ساعدناهم على صحة أصول هذا العلم وقواعده لكانت أحكامُهم باطلة، وهي أحكامٌ بلا علم؛ لِمَا ذكرنا من تعذُّر الإحاطة بمجموع الأسباب وانتفاء الموانع، ولهذا كثيرًا ما يُجْمِعون على حكمٍ من أحكامهم الكاذبة فيقعُ الأمرُ بخلافه، كما تقدَّم١.
* وأمَّا تلك الحكاياتُ المتضمِّنةُ لإصابتهم في بعض الأحوال، فليست بأكثر من الحكايات عن أصحاب الكتف٢، والفأل، والزَّجر، والطَّائر٣، والضَّرب بالحصى، والطَّرْق٤، والعِيافة، والكهانة، والخَطِّ، والحَدْس، وغيرها من علوم الجاهلية، وأعني بالجاهلية: كلَّ من ليس من أتباع الرسل، كالفلاسفة والمنجِّمين والكهَّان وجاهلية العرب الذين كانوا قبل النبيِّ ﷺ؛ فإنَّ هذه كانت علومَ القوم، ليس لهم علمٌ بما جاءت به الرسل.
* ومِن هؤلاء من يزعمُ أنه يأخذُ من الحروف علمَ الكهَّان٥، ولهم في ذلك تصانيفُ وكتب٦.
(١) (ص: ١١٩٩).
(٢) كذا رسمت في (د، ق) دون إعجام. وفي (ت، ص): «الكهف». (ط): «الكشف». ولعل المثبت هو الصواب. وانظر ما تقدم (ص: ١٤٣٤).
(٣) كذا في الأصول. وهو السانح والبارح، كما مضى (ص: ١٤٣٤)، وسيأتي تفسيره. وربما كان صوابه: والزجر للطائر.
(٤) وهو الضرب بالحصى، وقيل: الخط في الرمل. «النهاية» (طرق).
(٥) (ق): «المكان». وهو تحريف. وانظر ما تقدم (ص: ١٤٣٤).