واعلم أنَّ التطيُّر إنما يضرُّ من أشفقَ منه وخاف، وأمَّا من لم يُبال به ولم يعبأ به شيئًا لم يضرَّه البتَّة، ولا سيَّما إن قال عند رؤية ما يتطيَّر به أو سماعه: «اللهمَّ لا طيرَ إلا طيرُك، ولا خيرَ إلا خيرُك، ولا إله غيرك»١، «اللهمَّ لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهبُ بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك»٢.
فالطِّيَرة بابٌ من الشِّرك وإلقاءِ الشيطان وتخويفِه ووسوستِه، يكبُر ويعظُم شأنُها على من أتبعَها نفسَه، واشتغلَ بها، وأكثَر العنايةَ بها، وتذهبُ وتضمحلُّ عمَّن لم يلتفت إليها، ولا ألقى إليها بالَه، ولا شغَل بها نفسَه وفكرَه.
(١) كما ورد في حديثٍ مرفوع سيأتي (ص: ١٤٨٥). وورد من قول عبد الله بن عمرو، وكعب الأحبار، وسيأتيان (ص: ١٤٨٩، ١٥١٨). ومن قول عبد الله بن عباس، أخرجه أحمد في «الزهد» (٢٣٨)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٤٣).
(٢) كما ورد في حديث عروة بن عامر الجهني مرفوعًا. أخرجه أبو داود (٣٩١٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٣٩)، و«الدعوات» (٥٠٠) وغيرهما بإسناد فيه انقطاعٌ وإرسال. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (١٤٩)، و«المغني عن حمل الأسفار» (١/ ٢٩٣)، و«مهذب سنن البيهقي» للذهبي (١٢٨٢٢)، و«الإصابة» (٤/ ٤٩٠)، و«التهذيب» (٧/ ١٦٧). وروي من مرسل عبد الرحمن بن سابط الجمحي، أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٥٣٩) بسندٍ لا بأس به.
واعلم أنَّ من كان معتنيًا بها قائلًا بها كانت إليه أسرعَ من السَّيل إلى منحدَره، وتفتَّحت له أبوابُ الوساوس فيما يسمعُه ويراه ويُعطاه، ويفتحُ له الشيطانُ فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يُفسِدُ عليه دينَه وينكِّدُ عليه عيشَه.
فإذا سمع: «سفرجلًا» أو أهديَ إليه تطيَّر به، وقال: سفرٌ وجلاء، وإذا رأى «ياسمينًا» أو سمع اسمَه تطيَّر به، وقال: يأسٌ ومَيْن١، وإذا رأى «سَوْسَنةً» أو سمعها قال: سوءٌ يبقى سنَةً٢، وإذا خرج من داره فاستقبلَه أعورُ أو أشلُّ أو أعمى أو صاحبُ آفةٍ تطيَّر به وتشاءم بيومه.
ويحكى عن بعض الولاة أنه خرج في بعض الأيام لبعض مهمَّاته، فاستقبله رجلٌ أعور، فتطيَّر به، وأمرَ به إلى الحبس، فلمَّا رجع من مهمَّته ولم يَلْقَ شرًّا أمرَ بإطلاقه، فقال له: سألتُك بالله ما كان جُرْمي الذي حبستني لأجله؟ فقال له الوالي: لم يكن لك عندنا جُرم، ولكن تطيَّرتُ بك لما رأيتُك، فقال: فما أصبتَ في يومك برؤيتي؟ فقال: لم ألقَ إلا خيرًا، فقال: أيها الأمير، أنا خرجتُ من منزلي فرأيتُك فلقيتُ في يومي الشرَّ والحبس، وأنت رأيتني فلقيتَ في يومك الخيرَ والسُّرور، فمن الأشأمُ منَّا؟! والطِّيَرة بمن٣ كانت؟! فاستحيا منه الوالي ووصَله٤.