واعلم أنَّ من كان معتنيًا بها قائلًا بها كانت إليه أسرعَ من السَّيل إلى منحدَره، وتفتَّحت له أبوابُ الوساوس فيما يسمعُه ويراه ويُعطاه، ويفتحُ له الشيطانُ فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يُفسِدُ عليه دينَه وينكِّدُ عليه عيشَه.
فإذا سمع: «سفرجلًا» أو أهديَ إليه تطيَّر به، وقال: سفرٌ وجلاء، وإذا رأى «ياسمينًا» أو سمع اسمَه تطيَّر به، وقال: يأسٌ ومَيْن١، وإذا رأى «سَوْسَنةً» أو سمعها قال: سوءٌ يبقى سنَةً٢، وإذا خرج من داره فاستقبلَه أعورُ أو أشلُّ أو أعمى أو صاحبُ آفةٍ تطيَّر به وتشاءم بيومه.
ويحكى عن بعض الولاة أنه خرج في بعض الأيام لبعض مهمَّاته، فاستقبله رجلٌ أعور، فتطيَّر به، وأمرَ به إلى الحبس، فلمَّا رجع من مهمَّته ولم يَلْقَ شرًّا أمرَ بإطلاقه، فقال له: سألتُك بالله ما كان جُرْمي الذي حبستني لأجله؟ فقال له الوالي: لم يكن لك عندنا جُرم، ولكن تطيَّرتُ بك لما رأيتُك، فقال: فما أصبتَ في يومك برؤيتي؟ فقال: لم ألقَ إلا خيرًا، فقال: أيها الأمير، أنا خرجتُ من منزلي فرأيتُك فلقيتُ في يومي الشرَّ والحبس، وأنت رأيتني فلقيتَ في يومك الخيرَ والسُّرور، فمن الأشأمُ منَّا؟! والطِّيَرة بمن٣ كانت؟! فاستحيا منه الوالي ووصَله٤.
وقال أبو القاسم الزجَّاجي: لم أر أشدَّ تطيُّرًا من ابن الرُّومي الشاعر، وكان قد تجاوز الحدَّ في ذلك، فعاتبتُه يومًا على ذلك، فقال: يا أبا القاسم: الفألُ لسانُ الزمان، والطِّيَرة عنوانُ الحَدَثان١.
وهذا جوابُ من استحكمت علَّتُه، فعجز عنه طبيبُه، بمنزلة من قد غلبه الوسواسُ٢ في الطهارة، فلا يلتفتُ إلى علمٍ ولا إلى ناصح.
وهذه حالُ من تقطَّعت به أسبابُ التوكُّل، وتقلَّصَ عنه لباسُه، بل تعرَّى منه.
ومن كان هكذا فالبلايا إليه أسرع، والمصائبُ به أعلَق، والمحنُ له ألزَم، بمنزلة صاحب الدُّمَّل والقُرحة الذي يتهدَّى إلى قُرحته كلُّ مؤذٍ وكلُّ مُصادِم، فلا يكادُ يُصْدَمُ من جسده أو يصابُ غيرُها!
والمتطيِّرُ مُتْعَبُ القلب، مُكْمَدُ الصَّدر٣، كاسفُ البال، سيِّاءُ الخُلق، يتخيَّلُ من كلِّ ما يراه أو يسمعه، أشدُّ الناس خوفًا، وأنكدُهم عيشًا، وأضيقُهم صدرًا، وأحزنهم قلبًا، كثيرُ الاحتراز والمراعاة لما لا يضرُّه ولا ينفعُه، وكم قد حَرَمَ نفسَه بذلك من حظٍّ، ومنعها من رزقٍ، وقطعَ عليها من فائدة!
(١) نقله أبو القاسم الزجاجي في «تفسير رسالة أدب الكتاب» (٧٠، ٧١) عن شيخه أبي إسحاق الزجاج. وانظر: «رسوم دار الخلافة» للصابي (٦٤)، و«العمدة» لابن رشيق (٩٧)، و«زهر الآداب» (١/ ٤٨١ - ٤٩١). والحَدَثان: نوائبُ الدهر ومصائبه.