وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾[الإسراء: ١٣]، أي: ما يَطِيرُ له من الخير والشرِّ فهو لازمٌ له في عنقه، والعربُ تقول: جرى له الطَّائرُ بكذا من الخير والشرِّ.
قال أبو عبيدة: الطَّائر عندهم: الحظُّ، وهو الذي تسمِّيه العامة: البَخْت٢، يقولون: هذا يَطِيرُ لفلان، أي: يحصُل له.
قلت: ومنه الحديث: «فطارَ لنا عثمانُ بن مظعون»٣، أي: أصابنا بالقُرعة لما اقترعَ الأنصارُ على نزول المهاجرين عليهم.
وفي حديث رويفع بن ثابت: «حتى إنَّ أحدَنا ليَطِيرُ له النصلُ والرِّيش وللآخَرِ القِدْح»٤، أي: يحصُل له بالشركة في الغنيمة.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: إنَّ الطَّائر هاهنا هو العمل. قاله الفرَّاء٥. وهو يتضمَّن الردَّ على نفاة القَدَر٦.
(٤) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨)، وأبو داود (٣٦)، وغيرهما، وفي إسناده اختلاف، وجوَّده النووي في «المجموع» (٢/ ١٣٣)، وابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ١٤١). وانظر: «مسند البزار» (٢٣١٧).
وخَصَّ العنقَ بذلك من بين سائر أجزاء البدن لأنها محلُّ الطَّوق الذي يُطَوَّقُه الإنسانُ في عنقه، فلا يستطيعُ فَكاكَه، ومن هذا يقال: إثمُ هذا في عنقك، وافعَلْ كذا وإثمُه في عنقي، والعربُ تقول: طُوِّقَها طوقَ الحمامة١، وهذا رِبقةٌ في رقبته٢.
وعن الحسن: [يا] ابن آدم٣، بُسِطَت٤ لك صحيفةٌ إذا بُعِثْتَ قُلِّدْتَها في عنقك٥.
فخصُّوا العنقَ بذلك لأنه موضعُ القلادة والتَّميمة، واستعمالُهم التعاليقَ فيها كثير، كما خُصَّت الأيدي بالذِّكر في نحو: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾[الشورى: ٣٠]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾[الحج: ١٠]، ونحوه.
وقيل: المعنى: أنَّ الشُّؤمَ العظيمَ هو الذي لهم عند الله من عذاب النار لا هذا الذي٦ أصابهم في الدنيا.
وقيل: المعنى: أنَّ سببَ شؤمهم عند الله، وهو عملُهم المكتوبُ عنده، الذي يجزي٧ عليه ما يسوؤهم، ويعاقبون عليه بعد موتهم بما وعدهم الله.