مفتاح دار السعادة

ولا طائرَ أشأمُ من هذا.

وقيل: حظُّهم ونصيبهم.

وهذا لا يناقضُ قولَ الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: حظُّكم وما نالكم من خيرٍ وشرٍّ معكم، بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين ليس هو من أجلنا ولا بسببنا، بل ببغيكم وعدوانكم.

فطائرُ الباغي الظالم معه، وهو عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨].

ولو فَقِهُوا وفَهِمُوا لما تطيَّروا بما جئتَ به؛ لأنه ليس فيما جاء به الرسولُ ﷺ ما يقتضي الطِّيَرة، فإنه كلَّه خيرٌ محضٌ لا شرَّ فيه، وصلاحٌ لا فسادَ فيه، وحكمةٌ لا عبثَ فيها، ورحمةٌ لا جَوْرَ فيها، فلو كان هؤلاء القوم من أهل الفهم والعقول السليمة لم يتطيَّروا من هذا؛ فإنَّ الطِّيَرة إنما تكون بالشرِّ، لا بالخير المحض والمصلحة والحكمة والرحمة، وليس فيما أتيتَهم به ــ لو فَهِمُوا ــ ما يوجبُ تطيُّرهم، بل طائرهم معهم بسبب كفرهم وشركهم وبغيهم، وهو عند الله كسائر حظوظهم وأنصبائهم التي ينالونها بأعمالهم وكسبهم.

ويحتملُ أن يكون المعنى: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: راجعٌ عليكم، فالطَّيرُ الذي حصل لكم إنما يعودُ عليكم.

وهذا من باب القِصاص في الكلام، مثل قوله في الحديث: «أخَذْنا

1480

فألكَ مِن فيك»١، ونظيره قولُ النبيِّ ﷺ: «إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم»٢.

فعلى هذا، معنى: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: نصيبُكم طِيَرتُكم التي تطيَّرتم بها؛ لأنهم اعتقدوا الشُّؤمَ فيما لا شؤمَ فيه البتة، فقيل لهم: الشُّؤمُ منكم، وهو نازلٌ بكم. فتأمَّله.

وهذا يُشْبِهُ قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، قيل: جزاءُ مكرهم عنده، فمَكَرَ بهم كما مكروا برسله، ومكرُه تعالى بهم إنما كان بسبب مكرهم، فهو مكرُهم عاد عليهم، وكيدُهم عاد عليهم، فهكذا طِيَرتُهم عادت عليهم وحَلَّتْ بهم. وسُمِّي جزاءُ المكر: مكرًا، وجزاءُ الكيد: كيدًا؛ تنبيهًا على أنَّ الجزاء من جنس العمل.

ولمَّا ذكر سبحانه أنَّ ما أصابهم من حسنةٍ وسيئة ــ أي نعمةٍ ومحنة ــ فالكلُّ منه تعالى بقضائه وقدره، فكأنهم قالوا: فما بالك أنتَ تصيبك الحسناتُ والسِّيئاتُ كما تصيبنا؟ فذكر سبحانه أنَّ ما أصابه من حسنةٍ فمن الله مَنَّ بها عليه، وأنعَم بها عليه، وما أصابه من سيئةٍ فمن نفسه، أي: بسببه ومِن قِبَله، أي: لا لنقصِ ما جاء به، ولا لشرٍّ فيه، ولا لشؤمٍ يقتضي أن تصيبه السيئة، بل بسببٍ من نفسِه ومِن قِبَلَه.

  1. (١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٨)، وأبو داود (٣٩١٧)، وغيرهما من حديث أبي هريرة بإسنادٍ فيه راوٍ لم يسمَّ. وورد التصريح به، وهو ثقة، عند أبي الشيخ في «أخلاق النبي ﷺ» (٧٨٦، ٧٨٧، ٧٨٨). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٧٢٦).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣) من حديث أنس بن مالك.
1481

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي