مفتاح دار السعادة

ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون»، وزاد مسلمٌ وحده: «ولا يَرْقُون»، فسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «هذه الزيادةُ وهمٌ من الراوي١، لم يقل النبيُّ ﷺ: «ولا يرقُون»؛ لأنَّ الراقي محسنٌ إلى أخيه، وقد قال النبيُّ ﷺ وقد سئل عن الرُّقى فقال: «من استطاع منكم أن ينفعَ أخاه فلينفعه»٢، وقال: «لا بأس بالرُّقى ما لم تكن شركًا»٣، والفرقُ بين الراقي والمسترقِي أنَّ المسترقِي سائلٌ مستَعطٍ ملتفتٌ إلى غير الله بقلبه، والراقي محسِنٌ نافع»٤.

قلت: والنبيُّ ﷺ لا يجعلُ تركَ الإحسان المأذون فيه سببًا للسَّبق إلى الجِنان، وهذا بخلاف ترك الاسترقاء، فإنه توكُّلٌ على الله، ورغبةٌ عن سؤال غيره، ورضاءٌ بما قضاه، وهذا شيءٌ وهذا شيء٥.

وفي «الصحيحين»٦ من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ: «لا عدوى

  1. (١) وهو سعيد بن منصور، شيخ مسلم. ووقعت كذلك في حديث أنس بن مالك، وإسناده ضعيفٌ جدًّا. انظر: «السلسة الضعيفة» (٣٦٩٠). وفي حديث خباب عند الطبراني في «الكبير» (٤/ ٥٦)، وإسناده ساقط.
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢١٩٩) من حديث جابر.
  3. (٣) أخرجه مسلم (٢٢٠٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.
  4. (٤) انظر: «اقتضاء الصراط» (٨٣٧)، و«مجموع الفتاوى» (١/ ١٨٢، ٣٢٨)، و«الرد على البكري» (١/ ٣٨٣). واعترض بعضهم على كلام شيخ الإسلام، كما في الفتح (١١/ ٤٠٩)، وأجاب عنه الشيخ سليمان بن عبد الله في «تيسير العزيز الحميد» (٨٥).
  5. (٥) انظر: «زاد المعاد» (١/ ٤٩٥)، و«حادي الأرواح» (٨٩).
  6. (٦) «صحيح البخاري» (٥٧٥٤)، و«صحيح مسلم» (٢٢٢٣).
1483

ولا طِيرَة، وأحبُّ الفألَ الصالح»، ونحوه من حديث أنس١.

وهذا يحتملُ أن يكون نفيًا، وأن يكون نهيًا، أي: لا تطيَّروا، ولكن قوله في الحديث: «ولا عدوى ولا صفَر ولا هامَة»٢ يدلُّ على أنَّ المرادَ النفيُ وإبطالُ هذه الأمور التي كانت الجاهليةُ تُعانيها، والنفيُ في هذا أبلغُ من النهي؛ لأنَّ النفيَ يدلُّ على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدلُّ على المنع منه.

وقد روى ابنُ ماجه في «سننه»٣ من حديث سفيان، عن سلمة، عن عيسى بن عاصم، عن زرٍّ، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسولُ الله ﷺ: «الطِّيَرة شركٌ، وما منَّا إلا، ولكنَّ الله يُذْهِبُه بالتوكُّل».

وهذه اللفظة «وما منَّا إلا ...» إلى آخره، مدرجةٌ في الحديث، ليست من كلام النبيِّ ﷺ، كذلك قاله بعض الحفَّاظ٤، وهو الصواب؛ فإنَّ الطِّيَرة نوعٌ من الشرك كما هو في أثرٍ مرفوع: «من ردَّته الطِّيَرة فقد قارَف الشِّرك»٥،

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٧٥٦)، ومسلم (٢٢٢٤).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٥٧٠٧)، ومسلم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة.
  3. (٣) (٣٥٣٨)، وأبو داود (٣٩١٠)، والترمذي (١٦١٤)، وغيرهم. وصححه الترمذي، وابن حبان (٦١٢٢)، والحاكم (١/ ١٨) ولم يتعقبه الذهبي.
  4. (٤) منهم: سليمان بن حرب شيخ البخاري، والمنذري، وابن حجر. انظر: «العلل الكبير» للترمذي (٤٨٥)، و«الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٣)، و«الفتح» (١٠/ ٢١٣)، و«النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٨٢٦، ٨٢٧). وخالف في ذلك ابنُ القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٣٨٧)، والألباني في «الصحيحة» (٤٢٩) جريًا على ظاهر الإسناد.
  5. (٥) أخرجه ابن وهب في «الجامع» (٦٥٦، ٦٥٧)، والذهبي في «السير» (١٦/ ٥١٧) من حديث فضالة بن عبيد، من طرقٍ يثبت بها.
    وروي من حديث رويفع بن ثابت ﵁.
    أخرجه البزار (٢٣١٦)، وفي إسناده جهالة. وقال أبو حاتم في «العلل» (٢/ ٢٨٢): «هذا حديثٌ منكر». وحسَّنه ابن حجر في «مختصر زوائد البزار» (١١٦٠).
1484

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي