مفتاح دار السعادة

وفي أثرٍ آخر: «من أرجعته الطِّيَرة من حاجةٍ فقد أشرك» قالوا: وما كفَّارةُ ذلك؟ قال: «أن يقول أحدُكم: اللهمَّ لا طيرَ إلا طيرُك ولا خيرَ إلا خيرُك»١.

وفي «صحيح مسلم»٢ من حديث معاوية بن الحكم السُّلمي أنه قال: يا رسول الله، ومنَّا أناسٌ يتطيَّرون؛ فقال: «ذلك شيءٌ يجدُه أحدُكم في نفسه فلا يصدَّنَّه»؛ فأخبر أنَّ تأذِّيه وتشاؤمَه بالتطيُّر إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطيَّر به، فوهمُه وخوفُه وإشراكه هو الذي يُطيِّره ويصدُّه، لا ما رآه وسَمِعَه.

فأوضح ﷺ لأمته الأمر، وبيَّن لهم فسادَ الطِّيَرة؛ ليعلموا أنَّ الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويَحْذرونه، لتطمئنَّ قلوبُهم، ولتسكُن نفوسُهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسَل بها رسله، وأنزَل بها كتبه، وخلَق لأجلها السموات والأرض، وعمَّر الدارين الجنة والنار، فبسبب التوحيد ــ ومن أجله ــ جعَل الجنةَ دارَ التوحيد ومُوجَباته وحقوقه، والنارَ دارَ الشرك ولوازمه ومُوجَباته، فقطعَ ﷺ عَلَقَ الشرك من قلوبهم لئلَّا يبقى فيها علقةٌ منها، ولا يتلبَّسوا بعملٍ من أعمال أهله البتَّة.

  1. (١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٢٤/ ١٠١)، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا بسندٍ فيه لين، ومن يصحح رواية العبادلة عن ابن لهيعة يصححه.
  2. (٢) (٥٣٧).
1485

وفي الحديث المعروف: «أقرُّوا الطيرَ على مَكِناتِها»١.

قال أبو عبيد في «الغريب»٢: أراد: لا تزجروها٣، ولا تلتفتوا إليها، أقرُّوها على مواضعها التي جعلها اللهُ لها ولا تتعدَّوا ذلك إلى غيره، أي: أنها لا تضرُّ ولا تنفع.

وقال غيرُه: المعنى: أقرُّوها على أمكنتها، فإنهم كانوا في الجاهلية إذا أراد أحدُهم سفرًا أو أمرًا من الأمور أثارَ الطَّيرَ من أوكارها، لينظر أيَّ وجهٍ تسلُك، وإلى أيِّ ناحيةٍ تطير، فإن خرجَت٤ ذاتَ اليمين خرج لسفره ومضى لأمره، وإن أخَذَت ذاتَ الشمال رجعَ ولم يَمْضِ، فأمرهم أن يُقِرُّوها في أمكنتها، وأبطَل فعلَهم ذلك٥ ونهاهم عنه كما أبطَل الاستقسامَ بالأزلام.

  1. (١) أخرجه أحمد (٦/ ٣٨١)، وأبو داود (٢٨٣٥)، وغيرهما من حديث سباع بن ثابت عن أم كرز ﵂.
    وصححه ابن حبان (٦١٢٦)، والحاكم (٤/ ٢٣٧) ولم يتعقبه الذهبي، وأعله في «الميزان» (٢/ ١١٥).
    ووقع في إسناده اختلافٌ في وصله وانقطاعه، والأشبه أنه متصل.
    انظر: «مسند الحميدي» (١/ ١٦٨)، و«علل الدارقطني» (٥/ق ٢١٩)، و«بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٥٨٦).
  2. (٢) (٢/ ١٣٨).
  3. (٣) (د، ت): «تزجروا بها». (ق): «تزجروا لها». والمثبت من (ط). وفي «غريب الحديث»: «لا تزجروا الطير».
  4. (٤) في «تهذيب الآثار» للطبري (١/ ٢٠٣ - مسند عمر): «فإن طارت». وهو مصدر المصنف.
  5. (٥) «تهذيب الآثار»: «وأبطل ذلك من فعلهم».
1486

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي