فالجنةُ اسمُ جنس؛ فهُم لمَّا طلبوا من آدم أن يستفتحَ لهم جنةَ الخُلد أخبرهم بأنه لا يَحْسُنُ منه أن يُقْدِم على ذلك وقد أخرجَ نفسَه وذريتَه من الجنة التي أسكنه اللهُ إياها بذنبه وخطيئته.
هذا الذي دلَّ عليه الحديث.
وأمَّا كونُ الجنة التي أُخرِجَ منها هي بعينها التي طلبوا منه أن يستفتحها لهم؛ فلا يدلُّ الحديثُ عليه بشيءٍ من وجوه الدَّلالات الثلاث١، ولو دلَّ عليه لوجبَ المصيرُ إلى مدلول الحديث، وامتنع القولُ بمخالفته، وهل مدارُنا إلا على فهم مقتضى كلام الصَّادق المصدوق صلواتُ الله وسلامه عليه؟!
قالوا: وأمَّا استدلالكم بالهبوط، وأنه نزولٌ من عُلْوٍ إلى سُفْل، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ الهبوط قد استُعمِل في النُّقْلة من أرضٍ إلى أرض، كما يقال: "هبَط فلانٌ بلدَ كذا وكذا"، وقال تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا
(١) المطابقة، والتضمُّن، والالتزام. و"الثلاث" ليست في (ت).
سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]، وهذا كثيرٌ في نظم العرب ونثرها، قال:
أنْ تَهبِطينَ بلادَ قَوْمٍ يَرْتَعُونَ من الطِّلاح١
وقد روى أبو صالح عن ابن عباس ﵄، قال: "هو كما يقال: هبَط فلانٌ أرضَ كذا وكذا"٢.
الثاني: أنَّا لا ننازعكم في أنَّ الهبوط حقيقةً ما ذكرتموه، ولكن من أين يلزمُ أن تكون الجنةُ التي منها الهبوطُ فوق السماوات؟! فإذا كانت في أعلى الأرض أما يصحُّ أن يقال: هبَط منها، كما يهبطُ الحجرُ من أعلى الجبل إلى أسفله، ونحوه؟!
وأما قولُه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦، والأعراف: ٢٤] فهذا يدلُّ على أنَّ الأرض التي أُهبِطوا إليها لهم فيها مستقرٌّ ومتاعٌ إلى حين، ولا يدلُّ على أنهم لم يكونوا في جنةٍ عاليةٍ أعلى من الأرض التي أُهبِطوا إليها تخالفُ تلك الأرض في صفاتها وأشجارها ونعيمها وطِيبها؛ فإنَّ الله سبحانه فاوَتَ بين بقاع الأرض أعظمَ تفاوتٍ وأبينَه، وهذا مشهودٌ بالحسِّ.
فمِن أين لكم أنَّ تلك لم تكن جنةً تميَّزت عن سائر بقاع الأرض بما لا يكونُ إلا فيها، ثم أُهبِطُوا منها إلى الأرض التي هي محلُّ التعب
والنَّصَب
(١) أنشده القاسم بن معن قاضي الكوفة، في "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٣٦)، و"خزانة الأدب" (٨/ ٤٢١). ودون نسبة في "الخصائص" (١/ ٣٨٩)، و"شرح المفصَّل" (٧/ ٩)، وغيرهما.