قال عكرمة: كنَّا جلوسًا عند ابن عباس، فمرَّ طائرٌ يصيح، فقال رجلٌ من القوم: خَيْر خَيْر، فقال له ابنُ عباس: «لا خيرَ ولا شرَّ»١. فبادره بالإنكار عليه؛ لئلَّا يعتقدَ له تأثيرًا في الخير أو الشرِّ.
وخرج طاووسٌ مع صاحبٍ له في سفر، فصاحَ غُرابٌ، فقال الرجل: خير، فقال طاووس: وأيُّ خيرٍ عنده؟! والله لا تصحَبني٢.
وقيل لكعب: هل تتطيَّر؟ فقال: نعم، فقيل له: فكيف تقول إذا تطيَّرت؟ قال أقول: اللهمَّ لا طيرَ إلا طيرُك، ولاخيرَ إلا خيرُك، ولا ربَّ غيرُك، ولا قوَّة إلا بك٣.
وكان بعض السلف يقولُ عند ذلك: طيرُ الله لا طيرُك، وصباحُ الله لا صباحُك، ومساءُ الله لا مساؤك٤.
وقال ابن عبد الحكم٥: لما خرج عمرُ بن عبد العزيز من المدينة، قال مزاحم: فنظرتُ فإذا القمرُ في الدَّبَران٦، فكرهتُ أن أقولَ له، فقلت:
(١) أخرجه الدينوري في «المجالسة» (٩٣٧)، وفي إسناده انقطاع، والطبري كما في «فتح الباري» (١٠/ ٢١٥). وفي مصادر كثيرة دون إسناد.
(٢) أخرجه معمر في «الجامع» (١٠/ ٤٠٦)، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية (٤/ ٤).
(٣) انظر: «شعب الإيمان» للبيهقي (٣/ ٣٧٦). والمشهور أنَّ هذا السؤال وقع من كعب لعبد الله بن عمرو ﵄. وسيأتي.
(٤) انظر: «الزاهر» لابن الأنباري (٢/ ٣٢٦).
(٥) في «سيرة عمر بن عبد العزيز» (٢٧).
(٦) منزل من منازل القمر، غير محمودٍ عندهم، والشعراء يذكرونه بالنحوسة. انظر: «الأنواء» لابن قتيبة (٣٧، ٣٨).
ألا تنظُر إلى القمر ما أحسنَ استواءه في هذه الليلة! قال: فنظرَ عمرُ فإذا هو في الدَّبَران، فقال: كأنَّك أردتَ أن تُعْلِمَني أنَّ القمرَ في الدَّبَران، يا مزاحم، إنَّا لا نخرجُ بشمسٍ ولا بقمر، ولكنَّا نخرجُ بالله الواحد القهار١.
فإن قيل: فما تقولون فيما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يستحبُّ الفأل؛ ففي «الصحيحين»٢ من حديث أنسٍ وأبي هريرة عن النبيِّ ﷺ: «لا عدوى ولا طيرة، وخيرُها الفأل»، وفي لفظ: «وأصدقُها الفأل»٣، وفي لفظ: «وكان يعجبُه الفأل»٤، وفي لفظ مسلم: «ويعجبني الفألُ الصالح، الكلمةُ الحسنة»٥.
وقال: «إذا أبردتُم إليَّ بريدًا فاجعلوه حسَنَ الاسم حسَنَ الوجه»٦.
(١) ووقع مثل هذا مع عمر بن الخطاب ﵁. أخرجه الرافعي في «التدوين» (٣/ ١٧٣)، والخطيب في «القول في حكم النجوم» (١٨٤ - مختصره)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٨/ ٧٢).
(٢) تقدم.
(٣) كما في حديث عروة بن عامر المتقدم (ص: ١٤٧٣) تعليقًا. وفي حديث حابس التميمي عند أحمد (٥/ ٧٠)، وأبي يعلى (١٥٨٢)، وفي إسناده اضطراب. انظر: «الاستيعاب» (٢٨٠). وفي حديث أنس عند ابن وهب في «الجامع» (٦٤٠)، وإسناده ضعيف. وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في «الكبير» (٨/ ١٦٤)، وفي إسناده ضعف كذلك.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٣٥٣٦)، وصححه ابن حبان (٦١٢١). وفي الصحيحين: «ويعجبني الفأل».