مفتاح دار السعادة

وقال داود بن عيسى بن محمد بن علي: خرج أبي وأبو جعفر غازيَيْن في بلاد الروم، ومعه غلامٌ له، ومع أبي جعفرٍ مولى له، فسنحَت له أربعةُ أَظْبٍ١، ثمَّ مضت تُخَاتِلنا حتى غابت عنَّا، ثمَّ رجعت، ومضى واحد، فقال لنا أبو جعفر: والله لا نرجعُ جميعًا، فمات مولى أبي جعفر.

وأمرَ بعضُ الأمراء٢ جاريةً له تغنِّي، فاندفعت تقول:

همُ قتلوهُ كي يكونوا مكانَهكما غَدَرَت يومًا بكسرى مَرَازِبُهْ٣

فقال: ويلك، غنِّي غير هذا، فغنَّت:

هذا مقامُ مُطَرَّدٍهُدِمَتْ منازلُه ودورُه٤

فقال: ويلك، غنِّي غير هذا.

فقالت: والله يا سيِّدي ما أعتمدُ إلا ما يسرُّك ويسبقُ إلى لساني ما ترى، ثم غنَّت:

كليبٌ لعمري كان أكثرَ ناصرًاوأيسرَ جُرْمًا منكَ ضُرِّج بالدَّمِ٥

فقال: ما أرى أمري إلا قريبًا. فسمع قائلًا يقول: قُضِيَ الأمر الذي فيه

  1. (١) جمع ظبي.
  2. (٢) هو الأمين، الخليفة العباسي.
  3. (٣) البيت للوليد بن عقبة، في «الكامل» (٩١٦)، و«الحماسة البصرية» (٤٤٥)، و«تاريخ دمشق» (٣٩/ ٥٤١).
  4. (٤) البيت لعبيد بن حنين. وينسب لغيره. انظر: «أخبار القضاة» (١/ ٢٦٣)، و«الأغاني» (٤/ ٣٩٩).
  5. (٥) البيت للنابغة الجعدي، في ديوانه (١٤٣).
1498

تستفتيان١.

وقد ذُكِرَ في حرب بني تغلب أنَّ تيمَ اللَّات أرسلَ بنيه في طلب مالٍ له، فلمَّا أمسى سمعَ صوتَ الرِّيح، فقال لامرأته: انظري من أين نشأ السحاب؟ ومن أين نشأت الرِّيح؟ فأخبرته أنَّ الرِّيحَ طالعةٌ من وجه السحاب، فقال: والله إني لأرى ريحًا تُدَهْدِهُ الصَّخر، وتمحقُ الأثر. فلمَّا دخلَ عليه بنوه، قال لهم: ما لقيتم؟ قالوا: سِرْنا من عندك، فلمَّا بلغنا دِعْص٢ الشَّعْثَمَيْن إذا بعُفْرٍ٣ جاثماتٍ على دِعْصٍ من رمل. فقال: أمشرِّقاتٌ أم مُغرِّبات؟ [قالوا: مغرِّبات]٤. قال: فما ريحُكم: ناطحٌ أم دابرٌ أم بارحٌ أم سانح؟ فقالوا: ناطح. فقال لنفسه: يا تيمَ اللَّات، دِعْصُ الشَّعْثَمَيْن ــ والشَّعْثَم الشيخ الكبير٥ ــ، وأنت شَعْثَمُ بني بكر، وجَواثِمُ بدِعْص، وريحٌ نَطَحَت فبرحَت.

  1. (١) انظر: «تاريخ الطبري» (٨/ ٥١٢)، و«تاريخ دمشق» (٢٦/ ٢٢٧)، و«الأغاني» (٥/ ١٣٨)، و«نثر الدر» (٧/ ٢٤٧)، و«التذكرة الحمدونية» (٨/ ٢٣)، و«محاضرات الأدباء» (١/ ٣٠١).
  2. (٢) (ق): «غصن». وهو تحريف. والدِّعص: الكثيب من الرمل المجتمع. والشعثمين: موضع كانت به وقعةٌ مشهورة. وقيل: هما رجلان قتلا في تلك الوقعة، فنسب إليهما الموضع. انظر: «التاج» (شعثم)، و«أمالي القالي» (٢/ ١٣١)، وسمط «اللآلي» (١١٢، ١١٣).
  3. (٣) (ت): «بجفر». والعُفر: ظباءٌ تعلو بياضها حمرة. «المعاني الكبير» (٦٩٧)، و«اللسان» (عفر).
  4. (٤) من (ط)، وليست في الأصول.
  5. (٥) هذا المعنى أخلَّت به المعاجم، كما أخلَّ جلُّها بهذا الحرف. وانظر: «الاشتقاق» (٣٤٩)، و«الجمهرة» (١١٣٢).
1499

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي