مفتاح دار السعادة

قال: رأيتُ غرابًا ساقطًا١ فوق بانةٍ ينتفُ ريشَه، فقال: ماتت عَزَّة، فانتهَره٢ ومضى، فوافى مصرَ والناسُ منصرفون من جنازتها، فأنشأ يقول:

فأمَّا غرابٌ، فاغترابٌ وغُربةٌوبانٌ، فبَينٌ من حبيبٍ تعاشِرُهْ٣

وذكرَ عنه أيضًا أنه هَوِيَ امرأةً من قومه بعد عَزَّة، يقالُ لها: أمُّ الحويرث، وكانت فائقةَ الجمال، كثيرةَ المال، فقالت له: اخرُج فأصِب مالًا وأتزوَّجُك، فخرَج إلى اليمن وكان عليها رجلٌ من بني مخزوم، فلمَّا كان ببعض الطريق عرَض له قُوطٌ ــ والقُوط: الجماعةُ من الظِّباء ــ، فمضى، ثمَّ عرَض له غرابٌ ينعَبُ ويفحصُ الترابَ على رأسه، فأتى كُثيِّر حيًّا من الأزد ثمَّ مِنْ بني لِهْب، وهم من أزجر العرب٤، وفيهم شيخٌ قد سقط حاجباه على عينيه، فقصَّ عليه ما عرَض له، فقال: إن كنتَ صادقًا لقد ماتت هذه المرأةُ أو تزوَّجت رجلًا من بني كعب، فاغتمَّ كُثيِّر لذلك، وسقى بطنُه٥، فكان ذلك سببَ موته، وقال في ذلك:

  1. (١) كذا في الأصول وبعض المصادر. وهو مستقيم.
  2. (٢) في الأصول: «فانتهى». تحريف. وفي طرة (د): «لعله: فما انتهى».
  3. (٣) انظر: ديوان كثيِّر (٤٦٢)، و«اعتلال القلوب» (٦٤٤)، و«عيون الأخبار» (١/ ١٤٨)، و«الموشى» (٢٦٥)، و«زهر الآداب» (٤٨٠)، و«وفيات الأعيان» (٤/ ١١٢)، و«الذخيرة» لابن بسام (٨/ ٥٣٥)، وغيرها.
  4. (٤) انظر: «الاشتقاق» (٤٩١)، و«جمهرة أنساب العرب» (٣٧٦)، و«نسب معد واليمن الكبير» (٤٨٠)، و«ثمار القلوب» (٢٢٣).
  5. (٥) أصابه الاستسقاء، وهو تجمُّع سائلٍ مَصْليٍّ في التجويف البريتوني لا يكاد يبرأ منه. «المعجم الوسيط».
1505
تيمَّمْتُ لِهْبًا أبتغي العلمَ عندهموقد رُدَّ علمُ العائفين إلى لِهْبِ
تيمَّمْتُ شيخًا منهمُ ذا أمانةٍبصيرًا بزَجْرِ الطَّيرِ مُنحنِيَ الصُّلْبِ
فقلتُ له: ماذا ترى في سوانحٍوصوتِ غرابٍ يفحصُ الأرضَ بالتُّربِ
فقال: جرى الطَّيرُ السَّنيحُ ببَيْنِهاونادى غرابٌ بالفِراقِ وبالسَّلْبِ
فإن لا تكن ماتت فقد حالَ دونهاسواكَ حَلِيلٌ باطنٌ من بني كعبِ١

وقال رجلٌ من بني أسد: تزوجتُ ابنةَ عمٍّ لي، فخرجتُ أريدُها، فلقيني شيءٌ كالكلب، مندلعًا٢ لسانُه في شِقٍّ، فقلت: أخفقتُ٣ وربِّ الكعبة، فأتيتُ القوم، فلم أصِل إليها، ونافَرني أهلُها، فخرجتُ عنهم فمكثتُ ثلاثة أيَّام، ثمَّ بدا لي فيهم، فخرجتُ نحوهم، فلقيتُ كلبةً تَنْطِفُ أطْباؤها٤ لبنًا، فقلت: أدركتُ وربِّ الكعبة، فدخلتُ بأهلي، وحملَت منِّي بغلامٍ، ثمَّ آخر، حتى ولدَت أولادًا.

وذكرَ عن يحيى بن خالد قال: حجَّ رجلان، فقيل لهما: هاهنا امرأةٌ تزجُر، قال: فأتَياها فسَألاها، فقال أحدُهما: ما نُضْمِر؟ فقالت: إنك لتسألني عن رجلٍ محبوسٍ مقيَّد. ثم سألها الآخر، فقالت: إنك لتسألني عن رجلٍ مقتول. فقال: هو والله الذي سأل عنه صاحبي، فقالت: هو كما قلتُ. فسألاها عن تفسير ذلك، فقالت: أمَا رأيتما الجاريةَ التي مرَّت ومعها ديكٌ

  1. (١) انظر: ديوان كثيِّر (٤٦٩)، و«الأغاني» (٩/ ٣٣)، و«عيون الأخبار» (١/ ١٤٨).
  2. (٢) (ق، د): «مندلها». (ت): «مدلها». (ط): «مدليا». وفي «بلوغ الأرب» (٣/ ٢١٢): «مندلع».
  3. (٣) (ت): «اجففت». (ط) و«بلوغ الأرب»: «أخفت». ولم تحرر في (ق).
  4. (٤) تقطر ضروعُها.
1506

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي