لكنْ الموفَّقون المهديُّون١ آمنوا بقدر الله وشرعه، ولم يعارِضوا أحدَهما بالآخر، بل صدَّق كلٌّ منهما الآخر عندهم وقرَّره، فكان الأمرُ تفصيلًا للقَدَر وكاشفًا عنه وحاكمًا عليه، والقدرُ أصلٌ للأمر، ومنفذٌ له، وشاهدٌ له، ومصدِّقٌ له، فلولا القدرُ لما وُجِدَ الأمرُ ولا تحقَّق ولا قام على ساقِه، ولولا الأمرُ لما تميَّز القدرُ ولا تبيَّنت مراتبه وتصاريفُه، فالقدرُ مظهرٌ للأمر، والأمرُ تفصيلٌ له، والله سبحانه له الخلقُ والأمر، فلا يكونُ إلا خالقًا آمرًا، فأمرُه تصريفٌ لقدره، وقدرُه منفذٌ لأمره.
ومن أبصرَ هذا حقَّ البصر، وانفتحت له عينُ قلبه؛ تبيَّن له سرُّ ارتباط الأسباب بمسبَّباتها وجرَيانها فيها، وأنَّ القدحَ فيها وإبطالها إبطالٌ للأمر، وتبيَّن له أنَّ كمالَ التوحيد بإثبات الأسباب، لا أنَّ إثباتَها نقضٌ٢ للتوحيد كما زعَم منكروها، حيث جعلوا إبطالَها من لوازم التوحيد، فجَنَوا على التوحيد والشرع، والتزموا تكذيبَ الحِسِّ والعقل، ووقعوا في أنواعٍ من المكابرة سلَّطت عليهم أعداءَ الشريعة، وأوجبَت لهم أن أساؤوا بها الظنَّ وتنقَّصوها وزعموا أنها خطابيَّةٌ وإقناعيَّةٌ وجدليَّة، لا برهانيَّة، فعَظُمَ الخَطب، وتفاقَم الأمر، واشتدَّت البليَّةُ بالطائفتين٣، وقد قيل: إنَّ العدوَّ العاقل خيرٌ من الصَّديق الجاهل.
ونحن ــ بحمد الله ــ نبيِّنُ الأمرَ في ذلك، ونوضِّحُه إيضاحًا يتبيَّن به
(١) (ت): «المهذبون».
(٢) (ق): «نقص». بالمهملة.
(٣) المتكلمين، والفلاسفة. انظر: «تهافت الفلاسفة» (٢٣٩)، و«تهافت التهافت» (٢/ ٧٨١)، وما تقدم (ص: ١٤١٨، ١٤٢١).
تصديقُ كلٍّ من الأمرين للآخر، وشهادتُه له، وتزكيتُه له، ونبيِّنُ ارتباطَ كلٍّ من الأمرين بالآخر، وعدمَ انفكاكه عنه، فنقولُ وبالله التوفيق:
* أمَّا ما ذكرتم من أنَّ النبي ﷺ كان يعجبُه الفألُ الحسَن؛ فلا ريب في ثبوت ذلك عنه، وقد قَرَن ذلك بإبطال الطِّيَرة؛ كما في «الصحيحين»١ من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا طِيَرة، وخيرُها الفأل»، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: «الكلمةُ الصالحةُ يسمعُها أحدُكم».
فابتدأهم النبيُّ ﷺ بإزالة الشُّبهة وإبطال الطِّيَرة؛ لئلَّا يتوهَّموها عليه في إعجابه بالفأل الصَّالح.
وليس في الإعجاب بالفأل ومحبَّته شيءٌ من الشرك، بل ذلك إبانةٌ عن مقتضى الطَّبيعة ومُوجَب الفطرة الإنسانيَّة التي تميلُ إلى ما يلائمها ويوافقُها مما ينفعها.
كما أخبرهم أنه حُبِّبَ إليه من الدنيا النساءُ والطِّيب٢.
(١) «صحيح البخاري» (٥٧٥٤)، و«صحيح مسلم» (٢٢٢٣).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٨)، والنسائي (٣٩٤٩)، وغيرهما من حديث ثابت عن أنس مرفوعًا. وصحَّحه الحاكم (٢/ ١٦٠) على شرط مسلم، ولم يتعقبه الذهبي، وصححه المصنف في «زاد المعاد» (١/ ١٥٠، ٤/ ٣٣٦)، وابن الملقن في «البدر المنير» (١/ ٥٠١)، وقوَّاه الذهبي في «الميزان» (٢/ ١٧٧)، وجوَّده العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (١/ ٣٧٨)، وحسَّنه ابن حجر في «التخليص» (٣/ ١٣٣)، وصححه في «الفتح» (١١/ ٣٤٥). وروي عن ثابت مرسلًا، وهو أشبه. انظر: «علل الدارقطني» (٣٠ ق/أ - نسخة المكتبة الناصرية)، و«الضعفاء» للعقيلي (٢/ ١٦٠، ٤/ ٤٢٠)، و«سنن البيهقي» (٧/ ٧٨)، و«المختارة» (١٥٣٣، ١٧٣٧). وروي نحوه من حديث عائشة، أخرجه أحمد (٦/ ٧٢)، وفي إسناده رجلٌ مبهم.