مفتاح دار السعادة

أحدُهما دون الآخر فلا وجهَ له١.

وهذا [قولُ]٢ من عَمِيَ عن الهدى وصَمَّ عن سماعه، وإنما تحصُل الهدايةُ من ألفاظ رسول الله ﷺ وتشرقُ ألفاظُها في صدر من تلقَّاها بالتصديق والقبول، فأذعَن لها بالسمع والطاعة وقابلَها بالرضا والتسليم، وعَلِمَ أنها منبعُ الهدى ومَعِينُ الحقِّ.

ونحنُ ــ بحول الله٣ ــ نوضِّحُ لمن اشتبه ذلك عليه فُرقانَ ما بينهما، وفائدةَ الفأل، ومضرَّةَ الطِّيَرة، فنقول: الفألُ والطِّيَرة وإن كان مأخذُهما سواءً، ومُجتَناهما واحدًا، فإنهما يختلفان بالمقاصد، ويفترقان بالمذاهب؛ فما كان محبوبًا مستحسَنًا تفاءلوا به وسَمَّوه: الفأل، وأحبُّوه ورَضُوه٤، وما كان مكروهًا قبيحًا منفِّرًا تشاءموا به وكرهوه وتطيَّروا منه، وسَمَّوه: طِيَرة؛ تفرقةً بين الأمرين، وتفصيلًا بين الوجهين.

وسئل بعضُ الحكماء، فقيل له: ما بالكم تكرهون الطِّيَرة، وتحبُّون الفأل؟ فقال: لنا في الفأل عاجلُ البشرى وإن قَصُرَ عن الأمل، ونكرهُ الطِّيَرة لما يلزمُ قلوبَنا من الوَجَل.

وهذا الفرقانُ حسنٌ جدًّا، وأحسنُ منه ما قاله ابنُ الروميِّ في ذلك: الفألُ لسانُ الزمان، والطِّيَرةُ عنوانُ الحَدَثان٥.

  1. (١) انظر: «الحيوان» (٣/ ٤٦٠)، و«الأزمنة والأمكنة» (٢/ ٣٥٤).
  2. (٢) زيادة تقديرية.
  3. (٣) (ق): «بحمد الله». خطأ.
  4. (٤) (ق): «ورضيوه».
  5. (٥) تقدم (ص: ١٤٧٥).
1520

وقد كانت العربُ تَقْلِبُ الأسماء تطيُّرًا وتفاؤلًا، فيسمُّون اللديغَ: سليمًا؛ [تفاءلوا] باسم السَّلامة، وتطيَّروا من اسم السَّقم، ويسمُّون العطشانَ: ناهلًا، أي: سيَنْهَل ــ والنَّهلُ: الشُّرب ــ؛ تفاؤلًا باسم الرِّي، ويسمُّون الفلاةَ: مَفازة، أي: مَنجاة؛ تفاؤلًا بالفوز والنجاة، ولم يسمُّوها مَهْلكةً؛ لأجل الطِّيَرة.

وكانت لهم مذاهبُ في تسمية أولادهم:

فمنهم من سمَّوه بأسماءٍ تفاؤلًا بالظَّفر على أعدائهم، نحو: غالب، وغَلَاّب، ومالك، وظالم، وعارم، ومُنازِل، ومُقاتِل، ومُعارِك، ومُسْهِر، ومُؤرِّق، ومُصَبِّح، وطارق.

ومنهم من تفاءل بالسلامة، كتسميتهم بسالم، وثابت، ونحوه.

ومنهم من تفاءل بنيل الحظوظ والسعادة، كسعد، وسعيد، وأسعد، ومسعود، وسُعْدى، وغانم، ونحو ذلك.

ومنهم من قصد التسميةَ بأسماء السِّباع ترهيبًا لأعدائهم، نحو: أسد، وليث، وذئب، وضِرْغام وشِبْل، ونحوها.

ومنهم من قصد التسمية بما غَلُظَ وخَشُن من الأجسام تفاؤلًا بالقوة، كحَجَر، وصخر، وفِهْر، وجندل.

ومنهم من كان يخرجُ من منزله وامرأتُه تَمْخَض، فيسمِّي ما تلده باسم أوَّل ما يلقاه كائنًا ما كان، مِن سَبُعٍ أو ثعلبٍ أو ضبٍّ أو كلبٍ أو ظبيٍ أو جحشٍ١ أو غيره٢.

  1. (١) في الأصول: «حشيش». وهو تحريف.
  2. (٢) «الاشتقاق» لابن دريد (٥، ٦). وانظر: «الاشتقاق» للأصمعي (٧٣)، و«الحيوان» (١/ ٣٢٤)، و«فقه اللغة» للثعالبي (٦٣١) [و"الصاحبي" لابن فارس (٦٢)].
1521

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي