ضاع له شيءٌ فلقيه، فلا أدري انقضاء كلمته كان أسرع أم وِجْداني الطِّفلَ مع بعض أهل مكة في مَحْمَله، عرفتُه بصوته.
فقوله ﷺ: «لا طِيَرة، وخيرُها الفأل» ينفي١ عن الفأل مذهبَ الطِّيَرة من تأثيرٍ أو فعلٍ أو شرك، ويخلِّصُ الفألَ منها.
وفي الفُرقان بينهما فائدةٌ كبيرة، وهي أنَّ التطيُّر هو التشاؤمُ من الشيء المرئيِّ أو المسموع، فإذا استعملها الإنسانُ فرجع بها من سفره، وامتنع بها مما عزَم عليه؛ فقد قَرع بابَ الشرك، بل وَلَجَه وبراء من التوكُّل على الله، وفتحَ على نفسه باب الخوف والتعلُّق بغير الله والتطيُّر مما يراه أو يسمعُه، وذلك قاطعٌ له عن مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، و﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، فيصير قلبُه متعلِّقًا بغير الله عبادةً وتوكُّلًا، فيفسُد عليه قلبُه وإيمانُه وحالُه، ويبقى هدفًا لسهام الطِّيَرة، ويُسَاقُ إليه من كلِّ أوب، ويقيِّض له الشيطانُ من ذلك ما يُفْسِدُ عليه دينَه ودنياه، وكم ممَّن هلك بذلك، وخسر الدنيا والآخرة!
فأين هذا من الفأل الصالح السَّارِّ للقلوب، المؤيِّد للآمال٢، الفاتح بابَ الرجاء، المسكِّن للخوف، الرابط للجأش، الباعث على الاستعانة بالله والتوكل عليه، والاستبشار المقوِّي لأمله، السَّارِّ لنفسه؟! فهذا ضدُّ الطِّيَرة.
فالفألُ يفضي بصاحبه إلى الطاعة والتوحيد، والطِّيَرة تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك؛ فلهذا استحبَّ ﷺ الفألَ وأبطلَ الطِّيَرة.
(١) (د): «شفى». (ق): «يشفي». (ت): «فنفى». والمثبت من (ط).
(٢) (ت): «المؤيد بالإيمان».
وأمَّا حديثُ الَّلقْحة١، ومنعُ النبيِّ ﷺ حربًا ومُرَّة من حَلْبِها، وإذنُه ليعيش في حلبها؛ فليس هذا بحمد الله في شيءٍ من الطِّيَرة؛ لأنه محالٌ أن ينهى عن شيءٍ ويُبطِلَه ثمَّ يتعاطاه هو، وقد أعاذه الله سبحانه من ذلك.
قال أبو عمر٢: «ليس هذا عندي من باب الطِّيَرة؛ لأنه محالٌ أن ينهى عن شيءٍ ويفعلَه، وإنما هو من طلب الفأل الحسن، وقد كان أخبرَهم عن أقبح الأسماء أنه حربٌ ومُرَّة، فأكَّد ذلك، حتى لا يتسمَّى بها أحد».
ثمَّ ساقَ من طريق ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر اليَحْصُبي، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁٣ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «خيرُ الأسماء عبد الله وعبدُ الرحمن، وأصدقُها حارثُ وهمَّام؛ حارثٌ يحرثُ لدنياه، وهمَّامٌ يَهُمُّ بالخير»٤، وكان يكره
(١) المتقدم (ص: ١٤٩١).
(٢) في «التمهيد» (٢٤/ ٧١). وانظر: «الاستذكار» (٢٧/ ٢٣٤).
(٣) سقط من (ق): «عن معاوية بن أبي سفيان ﵁».
(٤) هكذا وقع الحديث موصولًا في «التمهيد» بزيادة معاوية ﵁، وأخرجه ابن وهب في «الجامع» (٥٣) عن ابن لهيعة عن جعفر عن ربيعة عن عبد الله بن عامر مرسلا. وهو أشبه. والوصل من أوهام ابن لهيعة. وهو حديثٌ شاميٌّ مرسل، لا يصحُّ موصولًا، وروي من مرسل عبد الوهاب بن بخت، والزهري، وأبي وهب الكلاعي، ومكحول. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (١١٧، ١١٨)، و«العلل» (٢/ ٣١٢)، و«الإصابة» (٧/ ٤٦١). وفي «صحيح مسلم» (٢١٣٢) من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن».