وأمَّا حديثُ الَّلقْحة١، ومنعُ النبيِّ ﷺ حربًا ومُرَّة من حَلْبِها، وإذنُه ليعيش في حلبها؛ فليس هذا بحمد الله في شيءٍ من الطِّيَرة؛ لأنه محالٌ أن ينهى عن شيءٍ ويُبطِلَه ثمَّ يتعاطاه هو، وقد أعاذه الله سبحانه من ذلك.
قال أبو عمر٢: «ليس هذا عندي من باب الطِّيَرة؛ لأنه محالٌ أن ينهى عن شيءٍ ويفعلَه، وإنما هو من طلب الفأل الحسن، وقد كان أخبرَهم عن أقبح الأسماء أنه حربٌ ومُرَّة، فأكَّد ذلك، حتى لا يتسمَّى بها أحد».
ثمَّ ساقَ من طريق ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر اليَحْصُبي، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁٣ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «خيرُ الأسماء عبد الله وعبدُ الرحمن، وأصدقُها حارثُ وهمَّام؛ حارثٌ يحرثُ لدنياه، وهمَّامٌ يَهُمُّ بالخير»٤، وكان يكره
(١) المتقدم (ص: ١٤٩١).
(٢) في «التمهيد» (٢٤/ ٧١). وانظر: «الاستذكار» (٢٧/ ٢٣٤).
(٣) سقط من (ق): «عن معاوية بن أبي سفيان ﵁».
(٤) هكذا وقع الحديث موصولًا في «التمهيد» بزيادة معاوية ﵁، وأخرجه ابن وهب في «الجامع» (٥٣) عن ابن لهيعة عن جعفر عن ربيعة عن عبد الله بن عامر مرسلا. وهو أشبه. والوصل من أوهام ابن لهيعة. وهو حديثٌ شاميٌّ مرسل، لا يصحُّ موصولًا، وروي من مرسل عبد الوهاب بن بخت، والزهري، وأبي وهب الكلاعي، ومكحول. انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (١١٧، ١١٨)، و«العلل» (٢/ ٣١٢)، و«الإصابة» (٧/ ٤٦١). وفي «صحيح مسلم» (٢١٣٢) من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن».
الاسمَ القبيح؛ لأنه كان يتفاءلُ بالحسن من الأسماء١.
ثمَّ ساق من طريق ابن وهب: حدثني ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير، عن يعيش الغفاري، قال: دعا النبيُّ ﷺ يومًا بناقة، فقال: «من يحلبُها؟» فقام رجل، فقال: أنا، فقال: «ما اسمك؟» قال: مُرَّة، قال: «اقعد»، ثمَّ قام آخر، فقال: «ما اسمك؟» قال: «جمرة»، قال: «اقعد»، ثمَّ قام رجل، فقال: «ما اسمك؟» قال: يعيش، قال: «احلبها»٢.
وروى حمَّاد بن سلمة، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزني: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا توجَّه لحاجةٍ يحبُّ أن يسمع: يا نَجِيح، يا راشد، يا مبارك٣.
وقد روي من حديث بريدة أنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يتطيَّر من شيء، ولكن كان إذا سأل عن اسم الرجل وكان حسنًا رُئي البشاشةُ في وجهه، وإن كان سيئًا رُئي ذلك في وجهه، وإذا سأل عن اسم الأرض وكان حسنًا رُئي ذلك فيه.
(١) في الأصول: «الأشياء». والمثبت من «التمهيد».
(٢) تقدم تخريجه (ص: ١٤٩١).
(٣) أخرجه الحسن بن موسى الأشيب في جزئه (٥٧)، والحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (٨٠٣ - زوائده). وأخرجه الترمذي (١٦١٦)، والطبراني في «الأوسط» (٤١٨١)، وغيرهما موصولًا من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن أنس. وقال الترمذي: «حسن صحيح غريب»، وخرَّجه الضياء في «المختارة» (٢٠٥٢، ٢٠٥٣). ورجَّح البخاري الرواية المرسلة. انظر: «النكت الظراف» (١/ ١٨١).