مفتاح دار السعادة

النبيُّ ﷺ، ولا أخبره أنَّ ذلك معصية، بل سكت عنه.

وكذلك لما غيَّر اسمَ السَّائب، فأبوا تغييرَه لم ينكِر عليهم.

وأيضًا، فروى مسلمٌ في «صحيحه»١ من حديث أبي الزبير، عن جابر، قال: أراد النبيُّ ﷺ أن ينهى أن يسمَّى بيعلى٢، وبركة، وأفلح، ويسار، ونافع، ونحو ذلك، ثمَّ رأيتُه سكت بعدُ عنها فلم يقل شيئًا، ثمَّ قُبِض ولم يَنْهَ عن ذلك، ثمَّ أراد عمرُ ﵁ أن ينهى عن ذلك ثمَّ تركه.

ورأيتُ لبعضهم فرقًا بين الفأل والطِّيَرة كلامًا أذكرُه بلفظه٣.

قال: أمَّا ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يتفاءل ولا يتطيَّر، فهما وإن كان معناهما واحدًا في الاستدلال، فبينهما افتراق؛ لأنَّ الفألَ إبانة، والتطيُّر استدلال، والإبانةُ أكثر وأشهر وأوضح وأفصح؛ لأنَّ من كان في قلبه وضميره أمرٌ٤ فسمع قائلًا يقول: أقبلَ الخير، أو امضِ بسلام، أو أبشِر، أو نحو ذلك، فقد اكتفى بما سمع عن الاستدلال، والذي يرى طائرًا يَسْنَحُ أو يَبْرَح فليس معه إلا الاستدلالُ على اليُمْنِ بالسانح، والشُّؤم بالبارح، وهذا أمرٌ قد يكونُ وقد لا يكون، وذلك الفألُ في الأعمِّ يكون.

  1. (١) (٢١٣٨).
  2. (٢) في بعض نسخ «الصحيح»: «مقبل» مكان «يعلى». ورجحه القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٧/ ١٢)، وعدَّ الآخر تصحيفًا، وأبى ذلك النوويُّ في شرحه (١٤/ ١١٨).
  3. (٣) (ق): «كلاما ما أذكره بلفظه».
  4. (٤) ساقطة من (ق).
1535

وقال آخرون: إنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يتطيَّر، أي: لم يكن يُسْنِدُ الأمورَ الكائنة من الخير والشرِّ إلى الطَّير كما يفعلُ الكهَنة.

وقال آخرون: إنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا جلس مع أصحابه فتكلَّمَ أحدُهم بخيرٍ، أو سمع من متكلِّم خيرًا١، حضَّهم عليه وعرَّفهم به. ومعلومٌ أنه لا بدَّ لطائرٍ أن يَمُرَّ سانحًا أو بارحًا أو قَعِيدًا أو ناطحًا، فلا يُوقِفُهم عليه ولا يعرِّفهم به، إذ ذلك مِنْ فعل الكهَّان. فكان الحديثُ المرويُّ عنه ﷺ أنه كان يتفاءلُ ولا يتطيَّر من هذا المعنى.

وقد أغنى اللهُ رسولَه ﷺ بإخباره إيَّاه، وبإرسال جبريل إليه بما يُحْدِثُه سبحانه، عن الاستدلال على إحداثه بالأشياء التي ينظرُ٢ فيها غيرُه؛ تفرقةً منه سبحانه بين النبوَّة وغيرها.

فإن قيل: فهذا الذي نزَل بهذين الرجلين، وهما: السَّائبُ وحَزْن، هل كان من أجل اسميهما أم من غير جهة الاسم؟

قيل: قد يظنُّ من لا يُنْعِم النظر٣ أنَّ الذي نزَل بهما هو من جهة اسميهما، ويُصَحِّحُ بذلك أمرَ الطِّيَرة وتأثيرَها.

ولو كان ذلك كما ظنُّوه لوجبَ أن ينزلَ بجميع من تسمَّى باسميهما من أول الدَّهر، ولكان اقتضاءُ الاسم لذلك كاقتضاء النار للإحراق والماء للتبريد ونحوه.

  1. (١) من (ص)، وليست في (ت، د، ق).
  2. (٢) (ت): «يتطير». وهي محتملة. والمثبت أجود.
  3. (٣) (ت): «يمعن النظر».
1536

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي