مفتاح دار السعادة

وقال آخرون: إنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يتطيَّر، أي: لم يكن يُسْنِدُ الأمورَ الكائنة من الخير والشرِّ إلى الطَّير كما يفعلُ الكهَنة.

وقال آخرون: إنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا جلس مع أصحابه فتكلَّمَ أحدُهم بخيرٍ، أو سمع من متكلِّم خيرًا١، حضَّهم عليه وعرَّفهم به. ومعلومٌ أنه لا بدَّ لطائرٍ أن يَمُرَّ سانحًا أو بارحًا أو قَعِيدًا أو ناطحًا، فلا يُوقِفُهم عليه ولا يعرِّفهم به، إذ ذلك مِنْ فعل الكهَّان. فكان الحديثُ المرويُّ عنه ﷺ أنه كان يتفاءلُ ولا يتطيَّر من هذا المعنى.

وقد أغنى اللهُ رسولَه ﷺ بإخباره إيَّاه، وبإرسال جبريل إليه بما يُحْدِثُه سبحانه، عن الاستدلال على إحداثه بالأشياء التي ينظرُ٢ فيها غيرُه؛ تفرقةً منه سبحانه بين النبوَّة وغيرها.

فإن قيل: فهذا الذي نزَل بهذين الرجلين، وهما: السَّائبُ وحَزْن، هل كان من أجل اسميهما أم من غير جهة الاسم؟

قيل: قد يظنُّ من لا يُنْعِم النظر٣ أنَّ الذي نزَل بهما هو من جهة اسميهما، ويُصَحِّحُ بذلك أمرَ الطِّيَرة وتأثيرَها.

ولو كان ذلك كما ظنُّوه لوجبَ أن ينزلَ بجميع من تسمَّى باسميهما من أول الدَّهر، ولكان اقتضاءُ الاسم لذلك كاقتضاء النار للإحراق والماء للتبريد ونحوه.

  1. (١) من (ص)، وليست في (ت، د، ق).
  2. (٢) (ت): «يتطير». وهي محتملة. والمثبت أجود.
  3. (٣) (ت): «يمعن النظر».
1536

ولكن يُحْمَلُ ذلك ــ والله أعلم ــ على أنَّ الأمرين الجاريَيْن عليهما قد تقدَّما في أمِّ الكتاب، كما تقدَّم لهما ــ أيضًا ــ أن يتسمَّيا باسميهما إلى أن يختارَ لهما رسولُ الله ﷺ غيرَهما، فيرغَبون عن اختياره، ويتخلَّفون عن استحبابه، فيُعاقَبان بما قد سبَق لهما عقوبةً تُطابِقُ اسميهما؛ ليكون ذلك زاجرًا لمن سواهما.

وقد يكونُ خوفُه ﷺ على أهل الأسماء المكروهة١ أيضًا مِنْ مثل هذه الحوادث؛ إذ قد ينزلُ بالإنسان بلاءٌ مُشْبِهٌ بما في اسمه، فيظنُّ هو أو جميعُ من بلغه أنَّ ذلك كان من أجل اسمه عادَ عليه بشؤمه، فيعصي اللهَ ﷿.

وقد كره قومٌ من الصحابة والتابعين أن يسمُّوا عبيدَهم: عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الملك، ونحو ذلك؛ مخافةَ أن يُعْتِقَهم ذلك.

قال سعيدُ بن جبير: كنتُ عند ابن عباسٍ سنةً لا أكلِّمه٢ ولا يَعْرِفُني، حتى أتاه يومًا كتابٌ من امرأةٍ من أهل العراق، فدعا غلمانَه، فجعَل يَكْنِي عن عبيد الله وعبد الله وأشباههم، ويدعو: يا مِخْراق، يا وثَّاب٣.

وروى أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون أن يسمِّي الرجلُ غلامَه: عبد الله؛ مخافةَ أنَّ ذلك يُعْتِقُه٤.

وروى مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم: أنه كره أن يسمِّي مملوكَه

  1. (١) (ت): «على أصحاب أهل الأسماء المكروهة».
  2. (٢) (ق): «لا أكلمه ولا أعرفه ولا يعرفني». خطأ طريف.
  3. (٣) أخرجه الطبري في «تهذيب الآثار» (١/ ٢٨٥ - مسند عمر).
  4. (٤) أخرجه الطبري (١/ ٢٨٥).
1537

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي