الحسن منها مثلُه من الدَّلالة على المسمَّى به، مع تَخَيُّر الأحسن١ بفضل الحُسْن والجمال، من غير مُؤنةٍ تلزمُ صاحبَه بسبب التسمِّي [به].
وكذلك كراهةُ من كره تسميةَ مملوكه: عبد الله وعبد الرحمن، إنما كانت كراهتُه ذلك حذرًا أن يُوجِبَ ذلك له العتق٢، ولا شكَّ أنَّ جميع بني آدم عبيدُ الله، أحرارُهم وعبيدُهم، وصَفَهم بذلك واصفٌ أو لم يصفهم، ولكنَّ الذين كرهوا التسميةَ بذلك صَرَفوا هذه الأسماءَ عن رقيقهم لئلَّا يقعَ اللَّبسُ على السامع بذلك٣ من أسمائهم، فيظنُّ أنهم أحرار؛ إذ كان استعمالُ أكثر الناس التسميةَ بهذه الأسماء في الأحرار، فتجنَّبوا ذلك إلى ما يزيلُ اللَّبسَ عنهم من أسماء المماليك٤، والله أعلم.
فصل
وأمَّا الأثر الذي ذكره مالكٌ عن يحيى بن سعيد أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لرجل: ما اسمُك؟ قال: جمرة ...، إلى آخر الحديث٥.
فالجوابُ عنه: أنه ليس ــ بحمد الله ــ فيه شيءٌ من الطِّيَرة، وحاشا أميرَ المؤمنين ﵁ من ذلك، وكيف يتطيَّر ﵁ وهو يعلمُ أنَّ الطِّيَرة شركٌ من الجِبْت، وهو القائلُ في حديث اللَّقْحة ما تقدَّم؟!
(٢) «تهذيب الآثار»: «يوجب ذلك له العتق بانفراده بهذا الاسم».
(٣) «تهذيب الآثار»: «لذلك».
(٤) انتهى كلام الطبري.
(٥) المتقدم (ص: ٦٨١، ١٤٩٢).
ولكن وجه ذلك ــ والله أعلم ــ أنَّ هذا القولَ كان منه مبالغةً في الإنكار عليه؛ لاجتماع أسماء النار والحَرِيق في اسمه واسم أبيه وجدِّه وقبيلته وداره ومسكنه، فوافَق قولُه: «اذهَب فقد احترقَ منزلُك» قَدَرًا لعلَّ قوله كان السَّبب.
وكثيرًا ما يجري مثلُ هذا لمن هو دون عُمَر بكثير، فكيف بالمُحَدَّث المُلْهَم الذي ما قال لشيءٍ: «إني لأظنُّه كذا» إلا كان كما قال، وكان يقول الشيءَ ويشيرُ به فينزلُ القرآنُ بموافقته، فإذا نزل الأمرُ الدينيُّ بموافقة قوله فكذلك وقوعُ الأمر الكونيِّ القدريِّ موافقًا لقوله.
ففي «الصحيحين»١ عن عائشة ﵂ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يقول: «قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمَّتي أحدٌ منهم فعمر بن الخطاب».
قال ابنُ وهب: تفسير «مُحَدَّثون»: مُلْهَمُون٢.
وفي «صحيح البخاري»٣ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجالٌ يُكَلَّمون٤ من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمَّتي منهم أحدٌ فعمر».
وفي «الصحيحين»٥ عن عمر ﵁ قال: «وافقتُ ربِّي في
(١) «مسلم» (٢٣٩٨). وفي «البخاري» (٣٤٦٩) من حديث أبي هريرة.
(٢) التفسير في «صحيح مسلم» عقب الحديث.
(٣) (٣٦٨٩).
(٤) بمعنى: «محدَّثون». وانظر: «الفتح» (٧/ ٥٠).
(٥) «صحيح مسلم» (٢٣٩٩). وأخرج البخاري الرواية التالية.