مفتاح دار السعادة

ولكن وجه ذلك ــ والله أعلم ــ أنَّ هذا القولَ كان منه مبالغةً في الإنكار عليه؛ لاجتماع أسماء النار والحَرِيق في اسمه واسم أبيه وجدِّه وقبيلته وداره ومسكنه، فوافَق قولُه: «اذهَب فقد احترقَ منزلُك» قَدَرًا لعلَّ قوله كان السَّبب.

وكثيرًا ما يجري مثلُ هذا لمن هو دون عُمَر بكثير، فكيف بالمُحَدَّث المُلْهَم الذي ما قال لشيءٍ: «إني لأظنُّه كذا» إلا كان كما قال، وكان يقول الشيءَ ويشيرُ به فينزلُ القرآنُ بموافقته، فإذا نزل الأمرُ الدينيُّ بموافقة قوله فكذلك وقوعُ الأمر الكونيِّ القدريِّ موافقًا لقوله.

ففي «الصحيحين»١ عن عائشة ﵂ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يقول: «قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمَّتي أحدٌ منهم فعمر بن الخطاب».

قال ابنُ وهب: تفسير «مُحَدَّثون»: مُلْهَمُون٢.

وفي «صحيح البخاري»٣ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجالٌ يُكَلَّمون٤ من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمَّتي منهم أحدٌ فعمر».

وفي «الصحيحين»٥ عن عمر ﵁ قال: «وافقتُ ربِّي في

  1. (١) «مسلم» (٢٣٩٨). وفي «البخاري» (٣٤٦٩) من حديث أبي هريرة.
  2. (٢) التفسير في «صحيح مسلم» عقب الحديث.
  3. (٣) (٣٦٨٩).
  4. (٤) بمعنى: «محدَّثون». وانظر: «الفتح» (٧/ ٥٠).
  5. (٥) «صحيح مسلم» (٢٣٩٩). وأخرج البخاري الرواية التالية.
1540

ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر».

وفي «صحيح البخاري»١ عن أنس قال: قال عمر: وافقني اللهُ في ثلاث، أو: وافقني ربِّي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتَّخذتَ مقامَ إبراهيم مصلَّى، وقلت: يا رسول الله يدخلُ عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرتَ أمَّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آيةَ الحجاب، وبلغني معاتبةُ النبي ﷺ بعضَ نسائه، فدخلتُ عليهنَّ، فقلت: إن انتهيتنَّ أو ليبدلنَّ اللهُ رسولَه خيرًا منكن، حتى أتيتُ إحدى نسائه، فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يَعِظُ نساءَه حتى تَعِظَهُنَّ أنت؟! فأنزل الله ﷿: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥].

وفي «الصحيحين»٢ أنه لما قام ﷺ ليصلي على عبد الله بن أبيِّ ابن سلول رأس المنافقين قام عمر فأخذ ثوبَه، وقال: يا رسول الله أتصلِّي عليه وقد نهاك اللهُ أن تصلِّي عليه؟! فقال رسولُ الله ﷺ: «إنما خيَّرني الله، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وسأزيدُ على السبعين»، فصلى عليه رسولُ الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، فترَك الصلاةَ عليهم.

فإذا كانت هذه موافقةُ عمر لربِّه في شرعه ودينه، ينطقُ بالشيء فيكون

  1. (١) (٤٠٢، ٤٤٨٣).
  2. (٢) «صحيح البخاري» (٤٦٧٠)، و«صحيح مسلم» (٢٤٠٠، ٢٧٧٤).
1541

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي