هو المأمورَ المشروع١، فكذلك لا يبعدُ موافقتُه له تعالى٢ في قضائه وقدره، ينطقُ بالشيء فيكون هو المقضيَّ المقدور، فهذا لونٌ والطِّيَرةُ لون.
وكذلك جرى له نظيرُ هذه القصة مع رجلٍ آخر٣ سأله عن اسمه؟ فقال: ظالم، فقال: ابن من؟ قال: ابن سَرَّاق٤، قال: تظلمُ أنت ويسرقُ أبوك!
وذكر المدائنيُّ عن أبي صُفرة ــ وهو أبو المهلَّب ــ أنه ابتاع سلعةً بتأخيرٍ من رجلٍ من بني سعد، فأراد أن يُشْهِدَ عليه، فقال له: ما اسمك؟ قال: ظالم، قال: ابن من؟ قال: ابن سَرَّاق، قال: لا والله لا يكونُ لي عليك شيءٌ أبدًا.
فصل
وأمَّا محبةُ النبيِّ ﷺ التيمُّنَ في تنعُّله وترجُّله وطُهوره وشأنه كلِّه، فليس هذا من باب الفأل ولا التطيُّر بالشمال في شيء٥، ولكنْ تفضيلُ٦ اليمين على الشمال، فكان يعجبُه أن يباشرَ الأفعالَ التي هي من باب الكرامة
(١) (ص): «المأمور به المشروع».
(٢) (ت، ص): «موافقته تعالى».
(٣) (ق): «جرى له تطير مع رجل آخر». وهو تحريف قبيح.
(٤) ظالم بن سراق، أبو صفرة، والد المهلب. والخبر في «الشعر والشعراء» لابن قتيبة (٧١)، و«ربيع الأبرار» (٣/ ١٢)، وغيرهما. ولا إخاله يثبت، وخبر وفادة أبي صفرة على عمر ﵁ مشهورٌ ليس فيه هذا. ولعل صوابه ما أخرجه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٣/ ٢٠١).
(٥) (ت، ص): «في شيء من ذلك».
(٦) (ت): «يفضل».
باليمين، كالأكل والشرب والأخذ والعطاء١، وضدَّها بالشمال، كالاستنجاء وإمساك الذَّكَر وإزالة النجاسة، فإن كان الفعلُ مشتركًا بين العُضوَين بدأ باليمين في أفعال التكريم وأماكنه، كالوضوء ودخول المسجد، وباليسار في ضدِّ ذلك، كدخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوه.
والله تعالى فضَّل بعضَ مخلوقاته على بعض، وفضَّل بعضَ جوارح الإنسان وأعضائه على بعض، ففضَّلَ العينَ على الكعب، والوجهَ على الرِّجل، وكذلك فضَّل اليد اليمنى على اليسرى٢.
وقال النبيُّ ﷺ: «المُقْسِطون عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يَعْدِلُون في حكمهم وأهلِيهم وما وَلُوا»٣.
وفي «الصحيح»٤ عنه ﷺ: أنه لما أُسْرِيَ به رأى آدمَ في سماء الدنيا وإذا عن يمينه أَسْوِدَة، وعن يساره أَسْوِدَة، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضَحِك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى، فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا آدم، وهذه الأَسْوِدَةُ عن يمينه ويساره نَسَمُ بنيه، فأهلُ اليمين أهلُ السعادة من ذريته، وأهلُ اليسار أهلُ الشقاوة.