كذبتم ــ وبيتِ الله ــ لا تقتلونهولمَّا يكن أمرٌ أغرُّ محجَّلُ
قال: ألا ترى أنَّ هذا ليس من باب الكذب الذي هو ضدُّ الصِّدق، وإنما هو من باب الغلط وظنِّ ما ليس بصحيح، وذلك أنَّ قريشًا زعموا أنهم يُخْرِجون بني هاشم من مكة إن لم يتركوا جِوارَ محمَّدٍ ﷺ، فقال لهم
(١) في ديوانه (٧٤، ١٩٣) من لاميَّته المتقدم بعضها (ص: ٢٦٩).
(٣) وهو عمر بن براقة، فارسُ همدان وشاعرها لعصره، من كلمةٍ باذخة في «الإكليل» (١٠/ ١٩٥)، و«أمالي القالي» (٢/ ١٢٢)، و«الوحشيات» (٣١)، و«الحماسة البصرية» (١/ ٣٤٠)، و«الأغاني» (٢١/ ١٩٩)، وغيرها.
(٤) من كلمةٍ حماسية. انظر: «الحماسة» بشرح المرزوقي (٦٤٩، ٦٥١).
أبو طالب: «كذبتم» أي: غلطتم فيما قلتم وظننتم. وكذلك معنى قول الهَمْدانيِّ والعبسي.
وهذا مشهورٌ من كلام العرب.
قلت: ومن هذا قولُ سعيد بن جبير: «كذبَ جابرُ بن زيد» يعني في قوله: «الطلاقُ بيد السيِّد»١، أي: أخطأ.
ومن هذا قولُ عبادة بن الصامت: «كذبَ أبو محمَّد» لمَّا قال: «الوترُ واجب»٢ أي: أخطأ.
وفي «الصحيح»٣ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كذَبَ أبو السَّنابل»، لمَّا أفتى أنَّ الحاملَ المتوفَّى عنها زوجُها لا تتزوَّج حتى تتمَّ لها أربعة أشهر وعشرًا، ولو وضعَت.
وهذا كثير.
والمقصود: أنَّ عائشة ﵂ ردَّت هذا الحديث، وأنكرَته، وخطَّأت قائلَه٤.
(١) أخرجه سعيد بن منصور (١/ ٢١٠)، وعبدالرزاق (٧/ ٢٣٩)، وغيرهما.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٥)، وأبو داود (٤٢٥)، وغيرهما، وصححه ابن حبان (١٧٣١). وأبو محمد هو مسعود بن زيد بن سبيع الأنصاري، له صحبة، سكن الشام. انظر: «الإصابة» (٦/ ٩٨).
(٣) الحديث في الصحيحين دون موضع الشاهد، وهو عند أحمد (١/ ٤٤٧)، وعبد الرزاق (٦/ ٤٧٤)، والبيهقي (٧/ ٤٢٩)، وغيرهم من طرقٍ موصولة ومرسلة. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٣٢٧٤).
(٤) نقل ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٧/ ٣٥٢ - ٣٥٣) تعليقًا طويلًا لابن خزيمة في توجيه تكذيب عائشة لخبر أبي هريرة، والاعتذار لهما. وأظنه من كتاب التوكل من «الصحيح»، وهو من جملة المفقود منه.