مفتاح دار السعادة

غايةَ ذُلِّه وطرده ومعاملته بنقيض قصده، وهو إهباطُه من فوق السماوات إلى قرار الأرض، ولا تقتضي الحكمةُ أن يكون فوق السماء مع كِبْرِه١ ومنافاة حاله لحال الملائكة الأكرمين.

الثاني: أنه قال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ٧٧ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾، وكونُه رجيمًا ملعونًا ينفي أن يكون في السماء بين٢ المقرَّبين المطهَّرين.

الثالث: أنه قال: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾، وملكوتُ السماوات لا يَعْلُوه المَذؤومُ المدحورُ أبدًا.

وأما القولُ الثاني؛ فهو القولُ الأولُ بعينه، مع زيادة ما لا يدلُّ عليه السِّياق بحال، من تقديم ما هو مؤخَّرٌ في الواقع، وتأخير ما هو مقدَّمٌ فيه؛ فيُرَدُّ بما رُدَّ به القولُ الذي قبله.

وأما القولُ الثالث، وهو أنه للتأكيد؛ فإن أريدَ التأكيدُ اللفظيُّ المجرَّدُ فهذا لا يقعُ في القرآن، وإن أريدَ به أنه مستلزمٌ للتغليظ والتأكيد مع ما يشتملُ عليه من الفائدة فصحيح.

فالصوابُ أن يقال: أعيدَ الإهباطُ مرةً ثانيةً لأنه علَّق عليه حكمًا غير المعلَّق على الإهباط الأول؛ فإنه علَّق على الأول عداوةَ بعضهم بعضًا، فقال: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، وهذه جملةٌ حاليَّة، وهي اسميَّةٌ بالضمير وحده عند الأكثرين، والمعنى: "اهبطوا مُتعَادِين"، وعلَّق على الهبوط الثاني حكمين آخرين:

  1. (١) (ت): "التكبر".
  2. (٢) (ت): "مع".
64

أحدهما: هبوطُهم جميعًا١.

والثاني: قولُه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

فكأنه قيل: اهبطوا بهذا الشرط، مأخوذًا عليكم هذا العهد، وهو أنه مهما جاءكم مني هدًى فمن اتبعه منكم فلا خوفٌ عليه ولا حزنٌ يلحقُه.

ففي الإهباط الأول إيذانٌ بالعقوبة ومقابلتهم على الجريمة، وفي الإهباط الثاني روحُ التسلية والاستبشار بحُسْن عاقبة هذا الهبوط لمن تَبِعَ هداي، ومصيره إلى الأمن والسُّرور المُضادِّ للخوف والحزن.

فكَسَرَهُم بالإهباط الأول، وجَبَرَ من اتبعَ هداه بالإهباط الثاني، على عادته سبحانه ولطفه بعباده وأهل طاعته، كما كَسَرَ آدمَ بالإخراج من الجنة، وجَبَرَه بالكلمات التي تلقَّاها منه، فتابَ عليه وهداه.

ومن تدبَّر حكمته سبحانه، ولطفَه وبرَّه بعباده وأحبابه٢، في كَسْرِه لهم ثم جَبْرِه بعد الانكسار، كما يَكْسِرُ العبدَ بالذَّنب ويُذِلُّه به ثم يَجْبُره بتوبته عليه ومغفرته له، وكما يَكْسِرُه بأنواع المصائب والمحن ثمَّ يَجْبُره بالعافية والنعمة= انفتحَ له بابٌ عظيمٌ من أبواب معرفته ومحبته٣، وعَلِمَ أنه أرحمُ

  1. (١) (ح): "هبوطهما جميعا".
  2. (٢) (ق): "وأحبابه وأهل طاعته".
  3. (٣) انظر هذا المعنى الجليل في "زاد المعاد" (٣/ ٢٢١، ٤٧٧)، و"الوابل الصيب" (٩، ١٠)، و"مدارج السالكين" (١/ ١٨٧، ٢٩٩)، و"إغاثة اللهفان" (٢/ ١٨٩)، و"حادي الأرواح" (٧٦٥)، وسيأتي مبسوطًا (ص: ٨٨، ٨١٩، ٨٢٢).
65

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي