مفتاح دار السعادة

الفَرس أن لا يُغزى عليها في سبيل الله، وشؤمُ المرأة أن لا تلد وتكونَ سيِّئةَ الخُلق١.

وقال طائفةٌ أخرى، منهم الخطابي: هذا مستثنى من الطِّيَرة، أي: الطِّيَرة منهيٌّ عنها إلا أن يكون له دارٌ يكره سُكناها، أو امرأةٌ يكره صحبتَها، أو فرسٌ أو خادم، فليفارق الجميعَ بالبيع والطَّلاق ونحوه، ولا يقيمُ على الكراهة والتأذِّي به، فإنه شؤم٢.

وقد سلك هذا المسلكَ أبو محمد بن قتيبة في كتاب «مشكل الحديث» له٣، لمَّا ذكر أنَّ بعض الملاحدة اعترض بحديث هذه الثلاثة.

وقال طائفةٌ أخرى: الشُّؤم في هذه الثلاثة إنما يلحقُ من تشاءم بها وتطيَّر بها، فيكونُ شؤمها عليه، ومن توكَّل على الله ولم يتشاءم ولم يتطيَّر لم تكن مشؤومةً عليه.

قالوا: ويدلُّ عليه حديثُ أنس: «الطِّيَرة على من تطيَّر»٤، وقد يجعلُ الله سبحانه تطيُّر العبد وتشاؤمه سببًا لحلول المكروه به، كما يجعلُ الثِّقةَ به والتوكُّل عليه وإفرادَه بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفعُ بها الشرَّ المتطيَّر به.

وسرُّ هذا: أنَّ الطِّيَرة إنما تتضمَّنُ٥ الشركَ بالله تعالى، والخوفَ من

  1. (١) انظر: «الجامع» لمعمر (١٠/ ٤١١).
  2. (٢) انظر: «معالم السنن» (٤/ ٢٣٦)، و«أعلام الحديث» (٢/ ١٣٧٩).
  3. (٣) (٨٢).
  4. (٤) تقدم تخريجه (ص: ١٥٥٠).
  5. (٥) كذا في الأصول. ولعل الصواب: لما كانت تتضمَّن.
1553

غيره، وعدم التوكُّل عليه والثِّقة به، كان صاحبُها غرضًا لسهام الشرِّ والبلاء، فيسرعُ نفوذُها فيه، لأنه لم يتدرَّع من التوحيد والتوكُّل بجُنَّةٍ واقية، وكلُّ من خاف شيئًا غيرَ الله سُلِّطَ عليه، كما أنَّ من أحبَّ مع الله غيرَه عُذِّبَ به، ومن رجا مع الله غيرَه خُذِلَ من جهته. وهذه أمورٌ تجربتُها تكفي١ عن أدلَّتها.

والنَّفسُ لابدَّ أن تتطيَّر، ولكنَّ المؤمنَ القويَّ الإيمان يدفعُ مُوجَبَ تطيُّره بالتوكُّل على الله، فإنَّ من توكَّل على الله وحده كفاه مِنْ غيره، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ٩٨ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].

ولهذا قال ابن مسعود: «وما منَّا إلا» يعني: من يُقارِبُ التطيُّر، «ولكنَّ الله يُذْهِبه بالتوكُّل»٢.

ومن هذا قولُ زبَّان بن سيَّار:

أطارَ الطيرَ إذ سِرْنا زيادٌلِتُخْبِرَنا وما فيها خبيرُ
أقام كأنَّ لقمان بن عادٍأشار له بحكمته مشيرُ
تَعَلَّمْ أنه لا طيرَ إلاعلى مُتَطيِّرٍ وهو الثُّبورُ

قالوا: فالشُّؤم الذي في الدار والمرأة والفَرس قد يكونُ مخصوصًا بمن تشاءم بها وتطيَّر، وأمَّا من توكَّل على الله وخافَه وحده ولم يتطيَّر ولم يتشاءم فإنَّ الفَرس والمرأة والدار لا تكون شؤمًا في حقِّه.

  1. (١) (ت): «تكفي وتغني».
  2. (٢) تقدم تخريجه، وتصويب وقفه على ابن مسعود (ص: ١٤٨٤).
1554

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي