مفتاح دار السعادة

وقد ذكر هذا الحديثَ غيرُ مالكٍ من رواية أنس، أنَّ رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنَّا نزلنا دارًا فكَثُرَ فيها عددُنا، وكثُرت فيها أموالُنا، ثمَّ تحوَّلنا عنها إلى أخرى، فقلَّت فيها أموالُنا، وقلَّ فيها عددُنا، فقال رسول الله ﷺ: «تحوَّلوا عنها»١.

فليس هذا من الطِّيَرة المنهيِّ عنها، وإنما أمرهم ﷺ بالتحوُّل عنها عندما وقعَ في قلوبهم منها، لمصلحتين ومنفعتين:

إحداهما: مفارقتُهم لمكانٍ هم له مستثقلون، ومنه مستوحشون، لِمَا لحقهم فيه ونالهم عنده، ليتعجَّلوا الرَّاحةَ مما داخَلَهم من الجزع في ذلك المكان والحُزن والهلع؛ لأنَّ الله ﷿ قد جعل في غرائز الناس وتركيبهم استثقالَ ما نالهم الشرُّ فيه وإن كان لا سببَ له في ذلك، وحُبَّ من جرى لهم على يديه الخيرُ وإن لم يُرِدْهم به.

فأمرهم بالتحوُّل مما كرهوه؛ لأنَّ الله ﷿ بعثه رحمةً ولم يبعثه عذابًا، وأرسله ميسِّرًا ولم يرسله معسِّرًا، فكيف يأمرُهم بالمقام في مكانٍ قد أحزنهم المقامُ به، واستوحشوا عنده، لكثرة من فقدوه فيه، لغير منفعةٍ ولا طاعةٍ ولا مزيد تقوى وهدى؟!

لاسيَّما٢ وطولُ مقامهم فيها ــ بعدما وصل إلى قلوبهم منها ما وصل ــ قد يبعثُهم ويقودُهم إلى التشاؤم والتطيُّر، فيوقعُهم ذلك في أمرين عظيمين:

  1. (١) تقدم تخريج الحديث (ص: ١٤٩٣).
  2. (٢) ما يلي هي المصلحة الثانية.
1557

أحدهما: مقارفةُ١ الشرك.

والثاني: حلولُ مكروهٍ آخرَ بهم٢؛ بسبب الطِّيَرة التي إنما تلحقُ المتطيِّر.

فحماهم ﷺ ــ بكمال رأفته ورحمته ــ من هذين المكروهَيْن بمفارقة تلك الدار، والاستبدال بها، من غير ضررٍ يلحقُهم بذلك في دنيا، ولا نقصٍ في دين.

وهو ﷺ حين فَهِمَ عنهم في سؤالهم ما أرادوه من التعرُّف عن حال رحلتهم عنها٣، هل ذلك لهم ضارٌّ مؤدٍّ إلى الطِّيَرة؟ قال: «دعوها، ذميمة».

وهذا بمنزلة الخارج من أرضٍ بها الطَّاعونُ غير فارٍّ منه.

ولو مُنِعَ الناسُ الرحلةَ من الدار التي تتوالى عليهم المصائبُ فيها والمحنُ وتعذُّرُ الأرزاق، مع سلامة التوحيد في الرحلة، للَزِمَ ذلك كلَّ من ضاق عليه رزقٌ في بلدٍ أن لا ينتقلَ عنه إلى بلدٍ آخر، ومَنْ قلَّت فائدةُ صناعته أن لا ينتقلَ عنها إلى غيرها.

فصل

وأمَّا قولُ النبيِّ ﷺ للذي سلَّ سيفه يومَ أحد: «شِمْ سيفك، فإني أرى السيوفَ سَتُسَلُّ اليوم»٤؛ فهذه القصةُ لم يكن الرجلُ قد سَلَّ فيها السَّيف،

  1. (١) في الأصول: «مقارنة». بالنون. والمثبت أشبه، وهو لفظ الحديث.
  2. (٢) في الأصول: «احزنهم». وهو تحريف.
  3. (٣) (ت، ص): «من غير ضرر يلحقهم بذلك في رحلتهم عنها».
  4. (٤) تقدم تخريجه (ص: ١٤٩٤).
1558

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي