مفتاح دار السعادة

أحدهما: مقارفةُ١ الشرك.

والثاني: حلولُ مكروهٍ آخرَ بهم٢؛ بسبب الطِّيَرة التي إنما تلحقُ المتطيِّر.

فحماهم ﷺ ــ بكمال رأفته ورحمته ــ من هذين المكروهَيْن بمفارقة تلك الدار، والاستبدال بها، من غير ضررٍ يلحقُهم بذلك في دنيا، ولا نقصٍ في دين.

وهو ﷺ حين فَهِمَ عنهم في سؤالهم ما أرادوه من التعرُّف عن حال رحلتهم عنها٣، هل ذلك لهم ضارٌّ مؤدٍّ إلى الطِّيَرة؟ قال: «دعوها، ذميمة».

وهذا بمنزلة الخارج من أرضٍ بها الطَّاعونُ غير فارٍّ منه.

ولو مُنِعَ الناسُ الرحلةَ من الدار التي تتوالى عليهم المصائبُ فيها والمحنُ وتعذُّرُ الأرزاق، مع سلامة التوحيد في الرحلة، للَزِمَ ذلك كلَّ من ضاق عليه رزقٌ في بلدٍ أن لا ينتقلَ عنه إلى بلدٍ آخر، ومَنْ قلَّت فائدةُ صناعته أن لا ينتقلَ عنها إلى غيرها.

فصل

وأمَّا قولُ النبيِّ ﷺ للذي سلَّ سيفه يومَ أحد: «شِمْ سيفك، فإني أرى السيوفَ سَتُسَلُّ اليوم»٤؛ فهذه القصةُ لم يكن الرجلُ قد سَلَّ فيها السَّيف،

  1. (١) في الأصول: «مقارنة». بالنون. والمثبت أشبه، وهو لفظ الحديث.
  2. (٢) في الأصول: «احزنهم». وهو تحريف.
  3. (٣) (ت، ص): «من غير ضرر يلحقهم بذلك في رحلتهم عنها».
  4. (٤) تقدم تخريجه (ص: ١٤٩٤).
1558

ولكنَّ الفَرسَ لوَّح بذنبه، فسَلَّ السيف، ولم يُرِد صاحبُه سَلَّه، هكذا في القصة.

ولا ريب أنَّ الحربَ تقومُ بالخيل والسيوف، ولما لوَّحَ الفَرسُ بذنبه فاستلَّ السيف، قال النبيُّ ﷺ: «إنِّي أرى السيوف سَتُسَلُّ اليوم».

فهذا له محملٌ من ثلاثة محامل:

أحدها: أنَّ النبيَّ ﷺ أخبر عن ظنٍّ ظنَّه في ذلك، ولم يجعَل هذا دليلًا عامًّا في كلِّ واقعةٍ تشبهُ هذه، وإذا كان عمرُ بن الخطاب ﵁ ــ وهو أحدُ أتباع رسول الله ﷺ ورجلٌ من أمَّته ــ كان إذا قال: أظنُّ كذا، أو: أرى كذا، خرجَ الأمرُ كما ظنَّه وحَسِبَه، فكيف يُظَنُّ برسول الله١ ﷺ؟!

الثاني: أنَّ النبيَّ ﷺ كان قد عَلِمَ قبل مخرجه أنَّ السيوفَ سَتُسَلُّ ويقعُ القتال، ولهذا أخبرهم أنه رأى في منامه بقرًا تُنْحَرُ٢، وعَلِمَ أنَّ ذلك شهادةُ من قتلَ من أصحابه.

الثالث: أنَّ الوحيَ الذي كان يَعْرِفُ به رسولُ الله ﷺ الحوادثَ والنوازلَ كان مُغْنِيًا له عن الإشارات والعلامات والأمارات وما في معناها مما يحتاجُ إليه غيرُه، وأمَّا من يأتيه خبرُ السماء صباحًا ومساءً فإخباره بقوله: «أرى السيوفَ سَتُسَلُّ» لم يكن عن تلك الأمارة، وإنما وقع الإخبارُ به عَقِيبها، والشيءُ بالشيء يُذْكَر.

  1. (١) (ت): «يظن رسول الله». ولعلها: بظن رسول الله.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣٦٢٢)، ومسلم (٢٢٧٢) من حديث أبي موسى.
1559

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي