فكأنه قيل: اهبطوا بهذا الشرط، مأخوذًا عليكم هذا العهد، وهو أنه مهما جاءكم مني هدًى فمن اتبعه منكم فلا خوفٌ عليه ولا حزنٌ يلحقُه.
ففي الإهباط الأول إيذانٌ بالعقوبة ومقابلتهم على الجريمة، وفي الإهباط الثاني روحُ التسلية والاستبشار بحُسْن عاقبة هذا الهبوط لمن تَبِعَ هداي، ومصيره إلى الأمن والسُّرور المُضادِّ للخوف والحزن.
فكَسَرَهُم بالإهباط الأول، وجَبَرَ من اتبعَ هداه بالإهباط الثاني، على عادته سبحانه ولطفه بعباده وأهل طاعته، كما كَسَرَ آدمَ بالإخراج من الجنة، وجَبَرَه بالكلمات التي تلقَّاها منه، فتابَ عليه وهداه.
ومن تدبَّر حكمته سبحانه، ولطفَه وبرَّه بعباده وأحبابه٢، في كَسْرِه لهم ثم جَبْرِه بعد الانكسار، كما يَكْسِرُ العبدَ بالذَّنب ويُذِلُّه به ثم يَجْبُره بتوبته عليه ومغفرته له، وكما يَكْسِرُه بأنواع المصائب والمحن ثمَّ يَجْبُره بالعافية والنعمة= انفتحَ له بابٌ عظيمٌ من أبواب معرفته ومحبته٣، وعَلِمَ أنه أرحمُ
بعباده من الوالدة بولدها، وأن ذلك الكسرَ هو نفسُ رحمته به وبرِّه ولطفه، وهو أعلمُ بمصلحة عبده منه، ولكنَّ العبدَ لضعف بصيرته ومعرفته بأسماء ربه وصفاته لا يكادُ يشعرُ بذلك، ولا يُنالُ رضا المحبوب وقربُه والابتهاجُ والفرحُ بالدُّنوِّ منه والزلفى لديه إلا على جسرٍ من الذُّل والمسكنة، وعلى هذا قام أمرُ المحبة، فلا سبيل إلى الوصول إلى المحبوب إلا بذلك، كما قيل١:
تَذلَّلْ لمن تَهْوى لِتَحْظى بِقُرْبِهفكم عِزَّةٍ قد نالها العبدُ بالذُّلِّ
إذا كان من تهوى عزيزًا ولم تكنذليلًا له فاقْرَ السَّلامَ على الوَصْل
وقال آخر:
اخْضَعْ وذِلَّ لمن تحبُّ فليس فيشرعِ الهوى أنفٌ يُشَالُ ويُعْقَدُ٢
وقال آخر:
وما فَرِحَتْ بالوصل نفسٌ عزيزةٌوما العِزُّ إلا ذُلُّها وانكسارُها٣
قالوا: وإذا عُلم أنَّ إبليس أُهبِط من دار العزِّ عقبَ امتناعه وإبائه من
(١) البيتان للحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، من شيوخ البخاري، وله ديوان شعر (ت: ٢٦٠) في "معجم أصحاب الصدفي" (٨٤). والأول لعليَّة بنت المهدي في أشعار أولاد الخلفاء من "الأوراق" للصولي (٧٥)، ودون نسبة في "المذاكرة في ألقاب الشعراء" (١٦٨)، و"الواضح المبين" (١٠٥).
(٢) قاله أبو تراب هبة الله بن السريجي، على البديهة، في "بدائع البدائه" (٩).
(٣) يشبه نظم المصنف، ولم يذكره في الفصل الذي عقده لهذا المعنى في "روضة المحبين" (٣٢٨). وانظر: "طريق الهجرتين" (١٠٩).