مفتاح دار السعادة

فصل

وأمَّا ما احتجَّ به١ ونسَبه إلى قوله ﷺ: «وقَدَت الحرب»، لمَّا رمى٢ واقدُ بن عبد الله الحضرميَّ، «والحضرميُّ حضرت الحرب»؛ فكذبٌ عليه ﷺ، وإنما قال ذلك أعداؤه من اليهود، فتطيَّروا بذلك وتفاءلوا به٣، فكانت الطِّيَرة عليهم، ووقَدَت الحربُ عليهم.

فصل

وأمَّا استقبالُه ﷺ الجبلين في طريقه، وهما: مُسْلِح ومُخْرِاء، وتركُ المرور بينهما، وعدلُ ذات اليمين٤؛ فليس هذا أيضًا من الطِّيَرة، وإنما هو من العدول عمَّا يؤذي النفوسَ ويُشَوِّشُ القلوبَ إلى ما هو بخلافه، كالعدول عن الاسم القبيح وتغييره بأحسنَ منه٥، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك بما فيه كفاية.

وأيضًا؛ فإنَّ الأماكنَ فيها الميمونُ المبارك والمشؤومُ المذموم، فاطَّلعَ رسولُ الله ﷺ على شؤم ذلك المكان، وأنه مكانُ سوء، فجاوزَه إلى غيره، كما جاوزَ الوادي الذي ناموا فيه عن الصُّبح إلى غيره، وقال: «هذا مكانٌ حَضَرَنا فيه الشيطان»٦، والشيطانُ يحبُّ الأمكنةَ المذمومة وينتابُها.

  1. (١) من يحتج لإثبات الطِّيرة ويصححها، وقد سلف احتجاجه (ص: ١٤٩٤).
  2. (٢) (ق): «رأى». وهو تحريف.
  3. (٣) انظر: «طبقات ابن سعد» (٣/ ٣٩٠)، و«تفسير الطبري» (٤/ ٣٠٤)، و«سيرة ابن هشام» (٣/ ١٤٩).
  4. (٤) كما تقدم (ص: ١٤٩٤).
  5. (٥) انظر: «الروض الأنف» (٣/ ٥٧).
  6. (٦) أخرجه مسلم (٦٨٠) من حديث أبي هريرة.
1560

وأيضًا؛ فَلِمَا كان المرورُ بين ذينِكَ الجبلين قد يُشَوِّشُ١ القلب.

على أنَّا نقولُ في ذلك قولًا كلِّيًّا نبيِّنُ به سرَّ هذا الباب، بحول الله وعونه وتوفيقه:

اعلَم أنَّ بين الأسماء ومسمَّياتها ارتباطًا قدَّره العزيزُ العليم، وألهَمَه نفوسَ العباد، وجعَله في قلوبهم بحيث لا تنصرفُ عنه، وليس هذا الارتباطُ هو ارتباطَ العلَّة بمعلولها، ولا ارتباطَ المقتضي الوجوبَ لمقتضاه وموجَبه، بل ارتباط تناسُبٍ وتشاكُلٍ اقتضته حكمةُ الحكيم.

فقَلَّ أن ترى اسمًا قبيحًا إلا وبين مسمَّاه وبينه رابطٌ من القُبح، وكذلك إذا تأمَّلتَ الاسم الثقيلَ الذي تنفرُ عنه الأسماع، وتنبو عنه الطِّباع، فإنك تجدُ مسمَّاه يُقارِبُ أو يُلِمُّ أن يُطابِق.

ولهذا من المشهور على ألسنة الناس: أنَّ الألقابَ تنزلُ من السماء٢. فلا تكادُ تجدُ الاسمَ الشنيعَ القبيحَ إلا على مسمًّى يناسبُه.

وفي ذلك قولُ القائل:

وقَلَّ أنْ أبصَرَتْ عيناكَ ذا لَقَبٍإلا ومعناهُ إن فكَّرتَ في لَقَبِهْ٣
  1. (١) (ق): «تشوف». (د، ت، ص) «يشوق». والمثبت من (ط).
  2. (٢) انظر: «التمثيل والمحاضرة» (٤٥)، و«مجمع الأمثال» (٢/ ٢٥٧).
  3. (٣) ثاني بيتين في «نور القبس» (٣٣٢) لبعض أصحاب ثعلب في هجاء المبرد. وهو في «المفردات» للراغب (٧٤٤)، و«شرح المقامات» للشريشي (١/ ٢٤) دون نسبة. وبمعناه في «محاضرات الأدباء» (٣/ ٦٦٠).
1561

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي