وأيضًا؛ فَلِمَا كان المرورُ بين ذينِكَ الجبلين قد يُشَوِّشُ١ القلب.
على أنَّا نقولُ في ذلك قولًا كلِّيًّا نبيِّنُ به سرَّ هذا الباب، بحول الله وعونه وتوفيقه:
اعلَم أنَّ بين الأسماء ومسمَّياتها ارتباطًا قدَّره العزيزُ العليم، وألهَمَه نفوسَ العباد، وجعَله في قلوبهم بحيث لا تنصرفُ عنه، وليس هذا الارتباطُ هو ارتباطَ العلَّة بمعلولها، ولا ارتباطَ المقتضي الوجوبَ لمقتضاه وموجَبه، بل ارتباط تناسُبٍ وتشاكُلٍ اقتضته حكمةُ الحكيم.
فقَلَّ أن ترى اسمًا قبيحًا إلا وبين مسمَّاه وبينه رابطٌ من القُبح، وكذلك إذا تأمَّلتَ الاسم الثقيلَ الذي تنفرُ عنه الأسماع، وتنبو عنه الطِّباع، فإنك تجدُ مسمَّاه يُقارِبُ أو يُلِمُّ أن يُطابِق.
ولهذا من المشهور على ألسنة الناس: أنَّ الألقابَ تنزلُ من السماء٢. فلا تكادُ تجدُ الاسمَ الشنيعَ القبيحَ إلا على مسمًّى يناسبُه.
وفي ذلك قولُ القائل:
وقَلَّ أنْ أبصَرَتْ عيناكَ ذا لَقَبٍإلا ومعناهُ إن فكَّرتَ في لَقَبِهْ٣
(١) (ق): «تشوف». (د، ت، ص) «يشوق». والمثبت من (ط).
(٣) ثاني بيتين في «نور القبس» (٣٣٢) لبعض أصحاب ثعلب في هجاء المبرد. وهو في «المفردات» للراغب (٧٤٤)، و«شرح المقامات» للشريشي (١/ ٢٤) دون نسبة. وبمعناه في «محاضرات الأدباء» (٣/ ٦٦٠).
وهذا كثيرًا ما يوجدُ أيضًا١ في أسماء الأجناس.
والواضعُ٢ له عنايةٌ بمطابقة الألفاظ للمعاني، ومناسبتها لها، فيجعلُ الحروفَ الهوائيَّة الخفيفةَ للمسمَّى المُشاكِل لها، كالهواء، والحروفَ الشَّديدة للمسمَّى المناسب لها، كالصَّخر والحَجَر، وإذا تتابعَت حركةُ المسمَّى تابَعوا بين حركة اللفظ، كالدَّوَران والغَلَيان والنَّزَوان، وإذا تكرَّرت الحركةُ كرَّروا اللفظ، كقَلْقَلَ وزَلْزَلَ ودَكْدَكَ وصَرْصَرَ، وإذا اكتَنزَ المسمَّى وتجمَّعت أجزاؤه جعَلوا في اسمه من الضَّمِّ الدالِّ على الجمع والاكتناز ما يناسبُ المسمَّى، كالبُحْتُر للقصير المجتمع الخَلْق، وإذا طالَ جعلوا في اسمه٣ من الفتح الدالِّ على الامتداد نظيرَ ما في المعنى، كالعَشَنَّق للطَّويل. ونظائرُ ذلك أكثرُ من أن تُسْتَوعَب، وإنما أشرنا إليها أدنى إشارة٤.
وهذا هو الذي أراده من قال: بين الاسم والمسمَّى مناسبة٥، فلم يفهم عنه بعضُ المتأخِّرين مرادَه، فأخذ يشنِّعُ عليه بأنه لا تناسُبَ طبعِيًّا٦ بينهما، واستدلَّ على إنكار ذلك بما لا طائل تحته٧؛ فإنَّ عاقلًا لا يقول: إنَّ