مفتاح دار السعادة

تَتْبعوه بالنار، فتهيِّجوا بها خواطرَ الناس، وتبعثوا ظنونَهم بالتطيُّر بالنار والعذاب. والله أعلم.

فصل

وأمَّا تلك الوقائعُ التي ذكروها مما يدلُّ على وقوع ما تطيَّر به مَنْ تطيَّر؛ فنعم، وهاهنا أضعافُها وأضعافُ أضعافها.

ولسنا ننكرُ موافقةَ القضاء والقدر لهذه الأسباب وغيرها كثيرًا، وموافقةُ حَزْر الحازرين وظنون الظَّانِّين وزَجْر الزاجرين للقَدَر أحيانًا مما لا ينكرُه أحد.

ومن الأسباب التي توجبُ وقوعَ المكروه: الطِّيَرة، كما تقدَّم، وأنَّ الطِّيَرة على من تطيَّر، ولكنْ نصَبَ اللهُ سبحانه لها أسبابًا يُدْفَعُ بها مُوجَبُها وضررُها، من التوكُّل عليه، وحسن الظَّنِّ به، وإعراض قلبه عن الطِّيَرة، وعدم التفاته إليها وخوفه منها، وثقته بالله ﷿.

ولسنا ننكرُ أنَّ هذه الأمور ظنونٌ وتخمينٌ وحَدْسٌ وخَرْص، وما كان هذا سبيلُه فيصيبُ تارةً ويخطاءُ تارات.

وليس كلُّ ما تطيَّر به المتطيِّرون وتشاءموا به وقعَ جميعه وصَدَق، بل أكثرُه كاذب، وصادقُه نادر، والناسُ في هذا المقام إنما يعوِّلون١ وينقلون ما صحَّ ووقَع ويعتنونَ به، فيُرى كثيرًا، والكاذبُ منه أكثرُ من أن يُنْقَل.

قال ابن قتيبة: مِنْ شأن [الناس]٢ حفظُ الصَّواب للعجَب به والشَّغف

  1. (١) (ت): «يقولون».
  2. (٢) ليست في الأصول.
1565

والاستغراب، وتناسي الخطأ.

قال: ومن ذا الذي يتحدَّثُ أنه سأل منجِّمًا فأخطأ؟! وإنما الذي يُتَحَدَّثُ به ويُنقَلُ أنه سأله فأصاب.

قال: والصوابُ في المسألة إذا كان بين أمرين، قد يقعُ للمعتوه والطِّفل، فضلًا عن أولي العقل١.

وقد تقدَّم من بطلان الطِّيَرة وكذبها ما فيه كفاية.

وقد كانت عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله تستحبُّ أن تتزوَّج المرأةُ أو يُبنى بها في شوَّال، وتقول: ما تزوجني رسولُ الله ﷺ إلا في شوَّال، فأيُّ نسائه كان أحظى عنده منِّي؟!٢، مع تطيُّر الناس بالنكاح في شوَّال.

وهذا فعلُ أولي العزم والقوَّة من المؤمنين، الذين صحَّ توكُّلهم على الله، واطمأنت قلوبُهم إلى ربِّهم، ووثقوا به، وعلموا أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنهم لن يصيبهم إلا ما كتبَ الله لهم، وأنهم ما أصابهم من مصيبةٍ إلا وهي في كتابٍ٣ من قبل أن يخلُقهم ويُوجِدَهم، وعلموا أنه لا بدَّ أن يصيروا إلى ما كتبه وقدَّره، ولا بدَّ أن يجري عليهم، وأنَّ تطيُّرهم لا يردُّ قضاءَه وقدرَه عنهم، بل قد يكونُ تطيُّرهم من أعظم الأسباب التي يجري عليهم بها القضاءُ والقدر، فيُعِينونَ على أنفسهم، وقد جرى لهم القضاءُ والقدر بأنَّ نفوسَهم هي سببُ إصابة المكروه لهم، فطائرُهم معهم.

  1. (١) انظر: «القول في علم النجوم» للخطيب (١٩٣)، و«رسائل الجاحظ» (٣/ ٢٦١).
  2. (٢) تقدم تخريجه (ص: ١٥٤٦).
  3. (٣) (ص): «في كتاب الله».
1566

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي