قال: ومن ذا الذي يتحدَّثُ أنه سأل منجِّمًا فأخطأ؟! وإنما الذي يُتَحَدَّثُ به ويُنقَلُ أنه سأله فأصاب.
قال: والصوابُ في المسألة إذا كان بين أمرين، قد يقعُ للمعتوه والطِّفل، فضلًا عن أولي العقل١.
وقد تقدَّم من بطلان الطِّيَرة وكذبها ما فيه كفاية.
وقد كانت عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله تستحبُّ أن تتزوَّج المرأةُ أو يُبنى بها في شوَّال، وتقول: ما تزوجني رسولُ الله ﷺ إلا في شوَّال، فأيُّ نسائه كان أحظى عنده منِّي؟!٢، مع تطيُّر الناس بالنكاح في شوَّال.
وهذا فعلُ أولي العزم والقوَّة من المؤمنين، الذين صحَّ توكُّلهم على الله، واطمأنت قلوبُهم إلى ربِّهم، ووثقوا به، وعلموا أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنهم لن يصيبهم إلا ما كتبَ الله لهم، وأنهم ما أصابهم من مصيبةٍ إلا وهي في كتابٍ٣ من قبل أن يخلُقهم ويُوجِدَهم، وعلموا أنه لا بدَّ أن يصيروا إلى ما كتبه وقدَّره، ولا بدَّ أن يجري عليهم، وأنَّ تطيُّرهم لا يردُّ قضاءَه وقدرَه عنهم، بل قد يكونُ تطيُّرهم من أعظم الأسباب التي يجري عليهم بها القضاءُ والقدر، فيُعِينونَ على أنفسهم، وقد جرى لهم القضاءُ والقدر بأنَّ نفوسَهم هي سببُ إصابة المكروه لهم، فطائرُهم معهم.
(١) انظر: «القول في علم النجوم» للخطيب (١٩٣)، و«رسائل الجاحظ» (٣/ ٢٦١).
(٢) تقدم تخريجه (ص: ١٥٤٦).
(٣) (ص): «في كتاب الله».
وأمَّا المتوكِّلون على الله، المفوِّضون إليه، العالمون به وبأمره، فنفوسُهم أشرفُ من ذلك، وهممُهم أعلى، وثقتُهم بالله وحسنُ ظنِّهم به عُدَّةٌ لهم وقوَّةٌ وجُنَّة مما يتطيَّر به المتطيِّرون، ويتشاءمُ به المتشائمون، عالمون أنه لا طيرَ إلا طيرُه، ولا خيرَ إلا خيرُه، ولا إلهَ غيرُه، ألا له الخلقُ والأمر، تبارك الله ربُّ العالمين.
فصل
ومما كان الجاهليةُ يتطيَّرون به ويتشاءمون منه: العُطاس١، كما يتشاءمون بالبَوارِح والسَّوانِح.
قال رؤبة بن العجَّاج يصف فلاةً:
* قطعتُها ولا أهابُ العُطاسا *٢
وقال امرؤ القيس٣:
وقد أغتدي قبل العُطاسِ بهيكلٍشديدِ مَشَكِّ الجَنْبِ فَعْمِ المُنَطَّق
أراد٤ أنه كان ينتبهُ للصَّيد قبل أن ينتبه الناسُ من نومهم؛ لئلَّا يسمَع