مفتاح دار السعادة

وأمَّا المتوكِّلون على الله، المفوِّضون إليه، العالمون به وبأمره، فنفوسُهم أشرفُ من ذلك، وهممُهم أعلى، وثقتُهم بالله وحسنُ ظنِّهم به عُدَّةٌ لهم وقوَّةٌ وجُنَّة مما يتطيَّر به المتطيِّرون، ويتشاءمُ به المتشائمون، عالمون أنه لا طيرَ إلا طيرُه، ولا خيرَ إلا خيرُه، ولا إلهَ غيرُه، ألا له الخلقُ والأمر، تبارك الله ربُّ العالمين.

فصل

ومما كان الجاهليةُ يتطيَّرون به ويتشاءمون منه: العُطاس١، كما يتشاءمون بالبَوارِح والسَّوانِح.

قال رؤبة بن العجَّاج يصف فلاةً:

* قطعتُها ولا أهابُ العُطاسا *٢

وقال امرؤ القيس٣:

وقد أغتدي قبل العُطاسِ بهيكلٍشديدِ مَشَكِّ الجَنْبِ فَعْمِ المُنَطَّق

أراد٤ أنه كان ينتبهُ للصَّيد قبل أن ينتبه الناسُ من نومهم؛ لئلَّا يسمَع

  1. (١) انظر: «المعاني الكبير» (٢٧١، ١١٨٥)، و«جمهرة اللغة» (٨٣٥)، و«الأزمنة والأمكنة» (٢/ ٣٥٢)، و«العمدة» لابن رشيق (١٠٣٢).
  2. (٢) كذا في الأصول. ولم أجده. والمشهور في هذا الباب قوله:
    * ولا أبالي اللَّجَم العَطُوسا *
    انظر: ديوانه (٧١)، و«تهذيب اللغة» (٢/ ٦٥، ١١/ ١٠٣)، و«العباب» (عطس)، و«المعاني الكبير»، و«خزانة الأدب» (٢/ ٢٧٩). وفي روايته اختلاف.
  3. (٣) ديوانه (١٧٢).
  4. (٤) (ت): «أي».
1567

عطاسًا فيتشاءم به.

وكانوا إذا عَطس من يحبُّونه قالوا له: عُمْرًا وشبابًا، وإذا عَطس من يبغضونه قالوا له: وَرْيًا وقُحَابًا١. والوَرْي ــ كالرَّمْي ــ: داءٌ يصيبُ الكبد فيفسدُها، والقُحَاب كالسُّعال، وزنًا ومعنى.

وكان الرجلُ إذا سَمِع عطاسًا يتشاءمُ به، يقول: بكَ لا بي، أي: أسألُ الله أن يجعل شؤمَ عطاسك بكَ لا بي.

وكان تشاؤمهم بالعَطْسة الشَّديدة أشدَّ، كما يحكى عن بعض الملوك أنَّ مسامرًا له عطسَ عطسةً شديدةً راعَتْه، فغضبَ الملك، فقال سميرُه: والله ما تعمَّدتُ ذلك، ولكنَّ هذا عُطاسي، فقال: والله لئن لم تأتني بمن يشهدُ لك بذلك لأقتلنَّك، فقال: أخرِجني إلى الناس لعلِّي أجدُ من يشهدُ لي، فأخرجَه، وقد وكَّل به الأعوان، فوجدَ رجلًا، فقال: يا سيِّدي نشدتُك بالله، إن كنتَ سمعتَ عُطاسي يومًا تشهدُ لي به عند الملك، فقال: نعم، أنا أشهدُ لك، فنهَض معه، وقال: أيها الملك، أنا أشهدُ أنَّ هذا الرجل عطسَ يومًا فطار ضرسٌ من أضراسه! فقال له الملك: عُد إلى حديثك ومجلسك٢.

فلمَّا جاء الله سبحانه بالإسلام، وأبطَل رسوله ﷺ ما كان عليه الجاهليةُ من الضلال؛ نهى أمَّته عن التشاؤم والتطيُّر، وشرَع لهم أن يجعلوا مكانَ الدعاء على العاطس بالمكروه دعاءً له بالرحمة، كما أمر العائن أن يدعو بالتبريك للمَعِين.

  1. (١) انظر: «البصائر والذخائر» (٨/ ١٣٥). والمشهور أنَّ ذلك يقال عند السعال. انظر: «أمالي القالي» (٢/ ٢٢١)، و«تهذيب اللغة» (٤/ ٧٤)، وغيرهما.
  2. (٢) انظر: «الأغاني» (٣/ ٤٧)، و«التذكرة الحمدونية» (٩/ ٣٩٠).
1568

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي