بعباده من الوالدة بولدها، وأن ذلك الكسرَ هو نفسُ رحمته به وبرِّه ولطفه، وهو أعلمُ بمصلحة عبده منه، ولكنَّ العبدَ لضعف بصيرته ومعرفته بأسماء ربه وصفاته لا يكادُ يشعرُ بذلك، ولا يُنالُ رضا المحبوب وقربُه والابتهاجُ والفرحُ بالدُّنوِّ منه والزلفى لديه إلا على جسرٍ من الذُّل والمسكنة، وعلى هذا قام أمرُ المحبة، فلا سبيل إلى الوصول إلى المحبوب إلا بذلك، كما قيل١:
تَذلَّلْ لمن تَهْوى لِتَحْظى بِقُرْبِهفكم عِزَّةٍ قد نالها العبدُ بالذُّلِّ
إذا كان من تهوى عزيزًا ولم تكنذليلًا له فاقْرَ السَّلامَ على الوَصْل
وقال آخر:
اخْضَعْ وذِلَّ لمن تحبُّ فليس فيشرعِ الهوى أنفٌ يُشَالُ ويُعْقَدُ٢
وقال آخر:
وما فَرِحَتْ بالوصل نفسٌ عزيزةٌوما العِزُّ إلا ذُلُّها وانكسارُها٣
قالوا: وإذا عُلم أنَّ إبليس أُهبِط من دار العزِّ عقبَ امتناعه وإبائه من
(١) البيتان للحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، من شيوخ البخاري، وله ديوان شعر (ت: ٢٦٠) في "معجم أصحاب الصدفي" (٨٤). والأول لعليَّة بنت المهدي في أشعار أولاد الخلفاء من "الأوراق" للصولي (٧٥)، ودون نسبة في "المذاكرة في ألقاب الشعراء" (١٦٨)، و"الواضح المبين" (١٠٥).
(٢) قاله أبو تراب هبة الله بن السريجي، على البديهة، في "بدائع البدائه" (٩).
(٣) يشبه نظم المصنف، ولم يذكره في الفصل الذي عقده لهذا المعنى في "روضة المحبين" (٣٢٨). وانظر: "طريق الهجرتين" (١٠٩).
السجود لآدم، ثبتَ أنَّ وسوستَه له ولزوجه كانت في غير المحلِّ الذي أُهبِط منه، والله أعلم.
قالوا: وأما قولُكم: "إن الجنة إنما جاءت معرَّفةً باللام، وهي تنصرفُ إلى الجنة التي لا يعهدُ بنو آدم سواها"؛ فلا ريب أنها جاءت كذلك، ولكنَّ العهدَ وقع في خطاب الله تعالى آدمَ لسكناها بقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، فهي كانت معهودةً عند آدم، ثم أخبَرنا سبحانه عنها معرِّفًا لها بلام التعريف، فانصرف المعرّفُ بها١ إلى تلك الجنة المعهودة في الذِّهن، وهي التي سكنها آدمُ ثمَّ أُخرِج٢، فمن أين في هذا ما يدلُّ على محلِّها وموضعها بنفيٍ أو إثبات؟!
وأما مجيءُ جنة الخُلد معرَّفةً باللام؛ فلأنها الجنةُ التي أخبَرت بها الرسلُ لأممهم، ووَعَدَها الرحمنُ عبادَه بالغيب، فحيث ذُكِرت انصرف الذِّهنُ إليها دون غيرها؛ لأنها قد صارت معلومةً في القلوب مستقرةً فيها، ولا ينصرفُ الذِّهنُ إلى غيرها، ولا يتوجَّه الخطابُ إلى سواها.
وقد جاءت الجنةُ في القرآن معرَّفةً باللام، والمرادُ بها بستانٌ في بقعة من الأرض؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾[القلم: ١٧]، فهذا لا ينصرفُ الذِّهنُ فيها لا إلى جنة الخُلد ولا إلى جنة آدم بحال.
قالوا: وأما قولُكم: إنه قد اتفق أهلُ السنة والجماعة على أنَّ الجنةَ