مفتاح دار السعادة

ولما كان الدعاءُ على العاطس نوعًا من الظُّلم والبغي جُعِلَ الدعاءُ له بلفظ الرحمة المنافي للظُّلم، وأُمِرَ العاطسُ أن يدعو لسامعه ويُشَمِّته بالمغفرة والهداية وإصلاح البال، فيقول: «يغفرُ الله لنا ولكم»١، أو: «يهديكم الله ويصلح بالكم»٢.

فأما الدعاء بالهداية، فلِمَا أنه اهتدى إلى طاعة الرسول ﷺ، ورَغِبَ عمَّا كان عليه أهلُ الجاهلية، فدعا له أن يثبِّته الله عليها، ويهديه إليها.

وكذلك الدعاء بإصلاح البال، وهي حكمةٌ جامعةٌ لصلاح شأنه كلِّه، وهي من باب الجزاء على دعائه لأخيه بالرحمة، فناسبَ بأن يجازيه بالدعاء له بإصلاح البال.

وأمَّا الدعاء بالمغفرة، فجاء بلفظٍ يشملُ العاطسَ والمشمِّت، كقوله: «يغفرُ الله لنا ولكم»، ليتحصَّل من مجموع دعوتَي العاطس والمشمِّت لهما المغفرةُ والرحمةُ معًا.

فصلواتُ الله وسلامه على المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة.

ولأجل هذا ــ والله أعلم ــ لم يُؤمَر بتشميت من لم يحمد الله٣؛ فإن

  1. (١) ورد هذا في أحاديث مرفوعة لا يثبتُ منها شيء، وصحَّ عن غير واحدٍ من الصحابة موقوفًا. انظر: «المستدرك» (٤/ ٢٦٦، ٢٦٧)، و«عمل اليوم والليلة» للنسائي (٢١٢، ٣٢٤، ٢٢٥، ٢٢٩)، و«علل ابن أبي حاتم» (٢/ ٢٤٣)، و«علل الدارقطني» (٥/ ٣٣٤).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٢٢٤) من حديث أبي هريرة. وهو أحسن وأصحُّ ما ورد في باب تشميت العاطس.
  3. (٣) واختلفوا: هل يستحبُّ لمن عنده أن يذكِّره بالحمد؟ مال المصنف إلى عدم تذكيره؛ لأن النبي ﷺ لم يذكِّر الذي عطس ولم يحمد الله. انظر: «زاد المعاد» (٢/ ٤٤٢)، و«عارضة الأحوذي» (١٠/ ٢٠٥)، و«الفتح» (١٠/ ٦١١).
1569

الدعاء له بالرحمة نعمةٌ، فلا يستحقُّها من لم يحمد الله ويشكرَه على هذه النعمة، ويتأسَّى بأبيه آدم؛ فإنه لما نُفِخَت فيه الروحُ وبلغَت إلى خياشيمه عَطَسَ، فألهمه ربُّه ﵎ أنْ نَطَقَ بحمده، فقال: الحمدُ لله، فقال الله سبحانه: يرحمُك الله يا آدم١.

فصارت تلك سُنَّة العاطس٢، فمن لم يحمد الله لم يستحقَّ هذه الدعوة.

ولمَّا سبقت هذه الكلمةُ لآدم قبل أن يصيبه ما أصابه كان مآلُه إلى الرحمة، وكان ما جرى عارضًا وزالَ، فإنَّ الرحمة سبقت العقوبة وغلَبت الغضب.

وأيضًا؛ فإنما أُمِرَ العاطسُ بالتحميد عند العطاس لأنَّ الجاهلية كانوا يعتقدون فيه أنه داء، ويكرهُ أحدُهم أن يعطس، ويودُّ أنه لم يصدُر منه، لِمَا في ذلك من الشُّؤم، وكان العاطسُ يحبسُ نفسَه عن العطاس، ويمتنعُ من ذلك جهدَه، من اعتقاد جُهَّالهم فيه.

ولذلك ــ والله أعلم ــ بنَوا لفظَه على بناء الأدواء، كالزُّكام والسُّعال والدُّوار والسُّهام٣ وغيرها، فأُعْلِمُوا أنه ليس بداء، ولكنه أمرٌ يحبُّه الله، وهو

  1. (١) كما تقدم (ص: ٦٩).
  2. (٢) كذا في الأصول. وفي (ط): «العطاس».
  3. (٣) وهو الضُّمْر وتغيُّر اللون وذبول الشفتين. وهو أيضًا داءٌ يأخذ الإبل. «اللسان» (سهم).
1570

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي