ما يُخْرِجُ العاطسَ عن سَمْته، فإذا قال له السامع: «يرحمك الله»، فقد دعا له أن يعيدَه إلى سَمْته وهيئته١.
وأمَّا التشميت ــ بالمعجمة ــ، فقالت طائفةٌ منهم ابنُ السِّكِّيت وغيره: إنه بمعنى التسميت، وإنهما لغتان. ذكر ذلك في كتاب «القلب والإبدال»٢، ولم يذكر أيهما الأصل، ولا أيهما البدل.
وقال أبوعلي الفارسي: المهملة هي الأصلُ في الكلمة، والمعجمة بدلٌ منها. واحتجَّ بأن العاطسَ إذا عطس انتفَش وتغيَّر شكلُ وجهه، فإذا دعا له فكأنه أعاده إلى سَمْته وهيئته٣.
وقال تلميذُه ابن جنِّي٤: لو جعَل جاعلٌ الشِّينَ المعجمة أصلًا، وأخذَه من الشَّوامت ــ وهي القوائم ــ لكان وجهًا صحيحًا، وذلك أنَّ القوائمَ هي التي تحملُ الفَرسَ ونحوه، وبها عِصمتُه، وهي قِوامُه، فكأنه إذا دعا له فقد أنهضَه وثبَّت أمرَه وأحكمَ دعائمَه.
(٤) في «التنبيه على شرح مشكلات الحماسة» (١٦٨، ١٦٩). وقد شرح ابن جني كتاب ابن السكيت في القلب والإبدال، فلا ريب أنه بسط ذلك هناك.
(٥) (ق، ت): «النابغة».
(٦) ديوانه (١٨). وصدر البيت: * فارتاع من صوت كلَّابٍ فبات له *
وقالت طائفة منهم ابنُ الأعرابي: هو من قولهم: اشْتَمَتَتْ١ الإبلُ، إذا حَسُنَت وسَمِنت.
وقالت فرقةٌ أخرى: معنى «شمَّتَّ العاطس»: أزلتَ عنه الشَّماتة٢. يقال: مرَّضت العليل، أي: قُمت عليه ليزول مرضُه. ومثلُه: قذَّيت عينه، أزلت قذاها. فكأنه لما دعا له بالرحمة قد قصَد إزالةَ الشَّماتة عنه. ويُنْشَدُ في ذلك:
ما كان ضرَّ المُمْرِضِي بجفونهلو كان مرَّضَ مُنْعِمًا مَن أَمْرَضا٣
وإلى هذا ذهب ثعلب٤.
والمقصود: أنَّ التطيُّر من العُطاس٥ مِن فعل الجاهلية الذي أبطلَه الإسلام٦، وأخبر النبيُّ ﷺ أنَّ الله يحبُّ العطاس، كما في «صحيح
(١) (ت، د): «اشمت». تحريف. قال ابن الأعرابي: الاشتمات أول السِّمَن، وإبلٌ مشتمتة، إذا كانت كذلك. «التكملة» (شمت).
(٢) من قوله: «هو من قولهم» إلى هنا ساقط من (ق).
(٣) أثر الصنعة على البيت لائح، ولم أجده في مصدرٍ آخر.
(٦) في طرة (ق) حاشية بخط نعمان الآلوسي: «أقول: وشبيه هذا ما يعتقده الرافضة من التفاؤل بالعطستين والتشاؤم بالعطسة الواحدة، فإذا همَّ بفعلٍ فعطس هو أو غيره مرَّةً فإنه لا يمضي على فعله، أو مرَّتين فإنه يفعل، وهذا كاستخارتهم بالسبحة».