وقالت طائفة منهم ابنُ الأعرابي: هو من قولهم: اشْتَمَتَتْ١ الإبلُ، إذا حَسُنَت وسَمِنت.
وقالت فرقةٌ أخرى: معنى «شمَّتَّ العاطس»: أزلتَ عنه الشَّماتة٢. يقال: مرَّضت العليل، أي: قُمت عليه ليزول مرضُه. ومثلُه: قذَّيت عينه، أزلت قذاها. فكأنه لما دعا له بالرحمة قد قصَد إزالةَ الشَّماتة عنه. ويُنْشَدُ في ذلك:
ما كان ضرَّ المُمْرِضِي بجفونهلو كان مرَّضَ مُنْعِمًا مَن أَمْرَضا٣
وإلى هذا ذهب ثعلب٤.
والمقصود: أنَّ التطيُّر من العُطاس٥ مِن فعل الجاهلية الذي أبطلَه الإسلام٦، وأخبر النبيُّ ﷺ أنَّ الله يحبُّ العطاس، كما في «صحيح
(١) (ت، د): «اشمت». تحريف. قال ابن الأعرابي: الاشتمات أول السِّمَن، وإبلٌ مشتمتة، إذا كانت كذلك. «التكملة» (شمت).
(٢) من قوله: «هو من قولهم» إلى هنا ساقط من (ق).
(٣) أثر الصنعة على البيت لائح، ولم أجده في مصدرٍ آخر.
(٦) في طرة (ق) حاشية بخط نعمان الآلوسي: «أقول: وشبيه هذا ما يعتقده الرافضة من التفاؤل بالعطستين والتشاؤم بالعطسة الواحدة، فإذا همَّ بفعلٍ فعطس هو أو غيره مرَّةً فإنه لا يمضي على فعله، أو مرَّتين فإنه يفعل، وهذا كاستخارتهم بالسبحة».
البخاري»١ من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنَّ الله يحبُّ العطاسَ ويكرهُ التثاؤب، فإذا تثاءبَ أحدُكم فليستره ما استطاع، فإنه إذا فتحَ فاهُ فقال: آه آه، ضَحِك منه الشيطان».
فصل
وأمَّا قوله ﷺ: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ»، فالمُمْرِضُ الذي إبلُه مِرَاض، والمُصِحُّ الذي إبلُه صِحَاح.
وقد ظنَّ بعضُ الناس أن هذا معارضٌ لقوله: «لا عدوى ولا طِيَرة»، وقال: لعلَّ أحد الحديثين نسَخ الآخر، وأورد الحارثُ بن أبي ذُباب ــ وهو ابنُ عمِّ أبي هريرة ﵁ ــ عليه جمعَه بين الرِّوايتين، وظنَّهما أنهما٢ متعارضتان.
فروى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان أبو هريرة يحدِّثنا عن رسول الله ﷺ: «لا عدوى»، ثمَّ حدَّثنا أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ»، قال: فقال الحارثُ بن أبي ذُباب ــ وهو ابن عمِّ أبي هريرة ــ: قد كنتُ أسمعُك يا أبا هريرة تحدِّثنا حديثًا آخر قد سكتَّ عنه، كنتَ تقول: قال رسول الله ﷺ: «لا عدوى»، فأبى أبو هريرة أن يحدِّث بذلك، وقال: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِح»، فماراه الحارثُ في ذلك حتى غضبَ أبو هريرة ورَطَنَ بالحبشيَّة، ثمَّ قال للحارث: أتدري ما قلتُ؟ قال: لا، قال: إني أقول: أبَيتُ أبَيتُ. فلا أدري٣ أنسي أبو هريرة أو نسَخ أحدُ