ثمَّ رويتم في خلاف ذلك: «لا يُورِد ذو عاهةٍ على مُصِحٍّ»١، و«فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد»٢، وأتاه رجلٌ مجذومٌ ليبايعَه بيعةَ الإسلام، فأرسلَ إليه البيعة٣، وأمره بالانصراف٤، ولم يأذن له٥، وقال: «الشُّؤم في المرأة والدَّار والدابَّة»٦.
قالوا: وهذا كلُّه مختلفٌ لا يُشْبِهُ بعضُه بعضًا.
قال أبو محمد: ونحن نقول: إنه ليس في هذا اختلاف، ولكلِّ واحدٍ معنى في وقتٍ٧ وموضع، فإذا وُضِعَ موضعَه زال الاختلاف.
والعدوى جنسان:
أحدهما: عدوى الجُذام؛ فإنَّ المجذوم٨ تشتدُّ رائحتُه حتى يُسْقِمَ من أطال مجالستَه ومؤاكلتَه، وكذا المرأة تكونُ تحت المجذوم فتضاجعُه في شعارٍ واحد، فيوصِلُ إليها الأذى، وربَّما جُذِمَت، وكذلك ولدُه ينزِعون في
(١) أخرجه أبو عبيد في «غريب الحديث» (٢/ ٢٢١) من مرسل أبي المليح. وتقدم بلفظ: «لا يورد ممرض على مصح»، وهو في «الصحيح».
(٢) تقدم تخريجه (ص: ١٥١١).
(٣) «تأويل مختلف الحديث»: «بالبيعة».
(٤) تقدم تخريجه (ص: ١٥١١).
(٥) «تأويل مختلف الحديث»: «ولم يأذن له عليه».
(٦) تقدم تخريجه (ص: ١٤٩٣).
(٧) في الأصول: «فيها وقت». والمثبت من (ط). وفي «تأويل مختلف الحديث» و«زاد المعاد» (٤/ ١٥١): «ولكل معنى منها وقت».
(٨) في الأصول: «الجذام». وهو خطأ. والمثبت من «تأويل مختلف الحديث» و«زاد المعاد».
الكِبَر إليه، وكذلك من به سِلٌّ ودِقٌّ ونُقْب١.
والأطباءُ تأمرُ أن لا يجالَس المجذومُ ولا المَسْلول، ولا يريدونَ بذلك معنى العدوى، وإنما يريدون به معنى تغيُّر الرائحة، وأنها قد تُسْقِمُ من أطال اشتمامَها، والأطباءُ أبعدُ الناس من الإيمان بيُمْنٍ وشؤم٢.
وكذلك النُّقْبةُ تكونُ بالبعير ــ وهو جَرَبٌ رطب ــ، فإذا خالطَ الإبلَ أو حاكَّها وأوى في مَبارِكها أوصَل إليها بالماء الذي يسيلُ منه والنَّطْف٣ نحوًا ممَّا به.
فهذا هو المعنى الذي قال رسولُ الله ﷺ: «لا يُورِد ذو عاهةٍ على مُصِحٍّ»، كَرِه أن يخالِط المَعْيُوهُ٤ الصحيحَ فيناله من نَطْفِه وحِكَّته نحوٌ ممَّا به.
قال: وقد ذهب قومٌ إلى أنه أراد بذلك أن لا يظُنَّ أنَّ الذي نال إبلَه من ذوات العاهة، فيأثَم.
وليس لهذا عندي وجهٌ إلا الذي خبَّرتُك به عِيانًا٥.