مفتاح دار السعادة

«ذَرُوها١، وهي ذميمة»٢.

قال أبو محمد: وهذا ليس ينقضُ الحديثَ الأول، ولا الحديثُ الأولُ ينقضُ هذا، وإنما أمَرهم بالتحوُّل منها لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقالٍ لظلِّها، واستيحاشٍ لِمَا نالهم فيها، فأمرهم بالتحوُّل، وقد جعَل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقالَ ما نالهم السوءُ فيه وإن كان لا سببَ له في ذلك، وحُبَّ من جرى على يده الخيرُ لهم وإن لم يُرِدْهم به، وبغضَ من جرى على يده الشرُّ لهم وإن لم يُرِدْهم به، وكيف يتطيَّر ﷺ والطِّيَرة من الجِبْت؟! وكان كثيرٌ من الجاهليَّة لا يرونها شيئًا، ويمدحونَ من كذَّب بها».

ثمَّ أنشَد ما ذكرنا من الأبيات سالفًا٣.

ثمَّ قال: حدثنا إسحاق بن راهويه: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أبي أمية، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثٌ لا يَسْلَمُ منهنَّ أحد: الطِّيَرة والظنُّ والحسد»، قيل: فما المخرجُ منهن؟ قال: «إذا تطيَّرتَ فلا ترجِع، وإذا ظننتَ فلا تحقِّق، وإذا حسدتَ فلا تَبْغِ»٤. هذه الألفاظ أو نحوها.

حدثني أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعي، عن سعيد بن سَلْم٥، عن

  1. (١) «تأويل مختلف الحديث»: «ارحلوا عنها وذروها».
  2. (٢) تقدم تخريجه (ص: ١٤٩٣).
  3. (٣) (ص: ١٤٧١، ١٤٧٢).
  4. (٤) تقدم تخريجه (ص: ١٤٧٢).
  5. (٥) (ت) ومطبوعة «تأويل مختلف الحديث»: «مسلم». وهو تحريف. وهو سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي.
1581

أبيه، أنه كان يَعْجَبُ ممَّن يصدِّقُ بالطِّيَرة، ويعيبُها أشدَّ العيب، وقال: فَرَقَت لنا ناقةٌ وأنا بالطَّفِّ١، فركبتُ في إثرها، فلقيني هاناء بن عبيد من بني وائل وهو مسرع، وهو يقول:

* والشرُّ يُلْقَى مطالعَ الأكَم *٢

ثمَّ لقيني آخرُ من الحيِّ، وهو يقول:

ولئن بَغَيْتُ٣ لهم بُغاةً ما البُغاةُ بواجِدينا٤

ثمَّ دفَعنا إلى غلامٍ قد وقعَ في صغره في نار، فأحرقَته، فقبُح وجهُه٥ وفَسَد، فقلتُ له: هل ذكرتَ من ناقةٍ فارِق؟ قال: هاهنا أهلُ بيتٍ من الأعراب، فانظُر، فنظرتُ فإذا هي عندهم وقد أنتجَت، فأخذناها وولدَها.

قال أبو محمد: الفارِق: التي حَمَلَت ففارقَت صواحبَها.

  1. (١) أرضٌ من ضاحية الكوفة. انظر: «معجم البلدان» (٤/ ٣٦). ووقع في الأصول: «بالطائف». وهو بعيد. والمثبت من «تأويل مختلف الحديث» و«عيون الأخبار» (١/ ١٤٥) و«التمهيد» (٢٤/ ١٩٧) حيث روى الخبر من طريق ابن قتيبة.
  2. (٢) أي: الشرُّ ظاهرٌ بارز. انظر: «تهذيب اللغة» (٢/ ١٧٤)، و«أساس البلاغة» (طلع). وهو عجز بيت للنابغة الجعدي في ديوانه (١٥٠)، وصدره:
    * من عهد ما أورثت حبيبه *
  3. (٣) كذا في الأصول، ومطبوعتي «تأويل مختلف الحديث»، و«الحيوان» (٣/ ٤٥٠). وفي ديوان لبيد، و«عيون الأخبار»، و«نثر الدر» (٧/ ٢٣٧)، وإحدى نسخ «الحيوان»: «بعثت»، وهي أجود.
  4. (٤) البيت للبيد في «ديوانه» (٣٢٣).
  5. (٥) (ت، ص): «فقيح وجهه» بالياء آخر الحروف.
1582

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي