وقال عكرمة: كنَّا جلوسًا عند ابن عباس، فمرَّ طائرٌ يصيح، فقال رجل: خَيْر خَيْر، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر١.
وكان رسول الله ﷺ يستحبُّ الاسمَ الحسن، والفألَ الصالح.
حدثني الرِّياشي: حدثنا الأصمعي، قال: سألتُ ابن عون عن الفأل؟ فقال: هو أن يكونَ مريضًا فيسمع: يا سالم، أو يكون باغيًا٢ فيسمع: يا وَاجِد٣.
وهذا أيضًا مما جُعِل في غرائز الناس وتركيبهم استحبابُه٤ والأنسُ به، وكما جُعِل على الألسنة من التحيَّة بالسَّلام، والمَدِّ في الأمنية، والتبشير بالخير، وكما يقال: انعَم، واسْلَم، وأَنعِمْ صباحًا، وكما تقول الفُرس: عِشْ ألفَ نَوْرُوز٥.
والسامعُ لهذا يعلمُ أنه لا يقدِّمُ ولا يؤخِّر، ولا يزيدُ ولا ينقص، ولكن جُعِل في الطِّباع محبةُ الخير، والارتياحُ للبشرى والمنظر الأنيق والوجه الحسن والاسم الخفيف٦.
وقد يمرُّ الرجلُ بالروضة المنوِّرة فتسرُّه وهي لا تنفعه، وبالماء الصافي فيُعْجَبُ به وهو لا يشربُه ولا يَرِدُه.
(١) تقدم (ص: ١٤٨٩).
(٢) طالبًا يطلب شيئًا.
(٣) تقدم (ص: ١٥٢٢).
(٤) (ت، ص): «استحسانه».
(٥) أوَّل يوم من السنة الشمسية عندهم، وهو من أعيادهم. «التاج» (نرز).
(٦) (ص، ت): «والاسم الحسن».
وفي بعض الحديث أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُعْجَبُ بالأترجِّ، ويعجبه الحَمَامُ الأحمر١، وتعجبه الفاغِيةُ٢، وهو نَوْرُ الحنَّاء.
وهذا مثلُ إعجابه بالاسم الحسن والفأل الحسن.
وعلى حسب هذا كانت كراهتُه الاسمَ القبيح، كبني النار، وبني حُرَاق٣، وأشباه هذا. انتهى كلامه٤.
وقد سلك أبو عمر ابن عبد البرِّ في هذا الحديث نحوًا من مسلك أبي محمد بن قتيبة، فقال: أمَّا قوله ﷺ: «لا عدوى»، فهو نهيٌ أن يقول أحد: إنَّ شيئًا يُعْدِي شيئًا، وإخبارٌ أنَّ شيئًا لا يُعْدِي شيئًا، فكأنه قال: لا يُعْدِي شيءٌ شيئًا. يقول: لا يصيبُ أحدٌ من أحدٍ شيئًا من خُلُقٍ أو فعلٍ أو داءٍ أو مرض.
وكانت العربُ تقول في جاهليَّتها في مثل هذا: إنه إذا اتصل شيءٌ من ذلك بشيءٍ أعداه، فأخبرهم رسولُ الله ﷺ أنَّ قولهم واعتقادَهم في ذلك ليس كذلك، ونهى عن ذلك القول؛ إعلامًا منه بأنَّ ما اعتَقَد من ذلك من
(١) أخرجه والذي قبله الطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٣٣٩)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (٢/ ٢٢١)، وابن حبان في «المجروحين» (٣/ ١٤٨)، وغيرهم من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ بإسنادٍ شديد الضعف. وأخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١٣٥٧). وروي من أوجه أخرى مظلمة لا يصلح شيءٌ منها للاعتبار. انظر: «السلسلة الضعيفة» (١٣٩٣).