مفتاح دار السعادة

اعتَقَد منهم كان باطلًا١.

قال: وأمَّا المُمْرِضُ: فالذي إبلهُ مِراض، والمُصِحُّ: الذي إبلهُ صِحاح.

وروى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: يُكرَه٢ أن يدخُل المريضُ على الصَّحيح منها٣. وليس به إلا قولُ الناس٤.

فأشار إلى أن المنع من ذلك سدًّا لذريعة قول الناس٥، وحمايةً للقلب مما يستبقُ إليه من الأفهام ويقعُ فيه من التطيُّر والتشاؤم بذلك.

وقد قال أبو عبيد قولًا قريبًا من ذلك، فقال: قوله في هذا الحديث: «إنه أذى» أي: إيرادَ المُمْرِض على المُصِحِّ. فقال: معنى الأذى عندي المأثم٦. يعني أنَّ المُورِدَ يأثم بأذاه من أورَد عليه، وتعريضِه للتشاؤم والتطيُّر.

وقد سلك بعضُهم مسلكًا آخر، فقال: ما يُخْبِرُ به النبيُّ ﷺ نوعان:

أحدُهما: يخبِرُ به عن الوحي، فهذا خبرٌ مُطابِقٌ لمخبَره من جميع الوجوه، ذهنًا وخارجًا، وهو الخبرُ المعصوم.

والثاني: ما يخبِرُ به عن ظنِّه من أمور الدنيا التي هم أعلمُ بها منه، فهذا ليس في رتبة النوع الأول، ولا تثبتُ له أحكامُه.

  1. (١) «التمهيد» (٢٤/ ٢٠٠)، و«الاستذكار» (٢٧/ ٥٧).
  2. (٢) في «جامع ابن وهب» (٦٢٩): «قد كنا نكره».
  3. (٣) «منها» ليست في «التمهيد» و«الاستذكار» و«جامع ابن وهب».
  4. (٤) «التمهيد» (٢٤/ ٢٠٠)، و«الاستذكار» (٢٧/ ٥٧).
  5. (٥) «قول الناس» ليست في (ت).
  6. (٦) «غريب الحديث» (٢/ ٢٢٣).
1585

وقد أخبر ﷺ عن نفسه الكريمة بذلك تفريقًا بين النوعين، فإنه لما سمع أصواتَهم في النَّخل وهم يؤبِّرونها ــ وهو التلقيح ــ قال: «ما هذا؟» فأخبروه بأنهم يلقِّحونها، فقال: «ما أرى لو تركتموه يضرُّ شيئًا»، فتركوه، فجاءَ شِيصًا، فقال: «إنما أخبرتكم عن ظنِّي، وأنتم أعلمُ بأمور دنياكم، ولكنْ ما أخبرتكم عن الله»١.

والحديثُ صحيحٌ مشهور، وهو من أدلَّة نبوَّته وأعلامها؛ فإنَّ من خفي عليه مثلُ هذا من أمر الدنيا وما أجرى اللهُ به عادته فيها، ثمَّ جاء من العلوم التي لا يمكنُ للبشر أن تطَّلع عليها٢ البتَّة إلا بوحيٍ من الله، فأخبرَ عمَّا كان، وما يكون، وما هو كائنٌ من لَدُن خَلْقِ العالم إلى أن استقرَّ أهلُ الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وعن غيب السموات والأرض، وعن كلِّ سببٍ دقيقٍ أو جليلٍ تُنالُ به سعادةُ الدارين، وكلِّ سببٍ دقيقٍ أو جليلٍ تُنالُ به شقاوةُ الدارين، وعن مصالح الدنيا والآخرة وأسبابهما، ومفاسد الدنيا والآخرة وأسبابهما.

مع كون معرفتهم بالدنيا وأمورها وأسباب حصولها ووجوه تمامها أكثرَ من معرفته، كما أنهم أعرفُ بالحساب والهندسة والصِّناعات والفِلاحة وعمارة الأرض والكتابة.

فلو كان ما جاء به مما ينالُ بالتعلُّم والتفكُّر والنظر٣ والطُّرق التي يسلُكها الناسُ لكانوا أولى به منه، وأسبقَ إليه؛ لأنَّ أسبابَ ما ينالُ بالفكرة

  1. (١) أخرجه مسلم (٢٣٦١، ٢٣٦٢، ٢٣٦٣).
  2. (٢) (ت): «لايمكن البشر الاطلاع عليها».
  3. (٣) (ق): «والتطير». وهو تحريف.
1586

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي