وهذا المسلكُ حسن، لولا أنه قد اجتمع الفصلان١ في حديثٍ واحد، كما في «موطأ مالك» أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن ابن عطية أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى ولا هامَ ولا صفَر، ولا يَحْلُل المُمْرِضُ على المُصِحِّ، وليَحْلُل المُصِحُّ حيث شاء»، قالوا: يا رسول الله، وما ذاك؟ فقال رسولُ الله ﷺ: «إنه أذى»٢.
وقد يجابُ عن هذا بجوابين:
أحدُهما: أنَّ الحديثَ لا يثبت؛ لوجهين:
أحدهما: إرسالُه.
والثاني: أنَّ ابنَ عطية هذا ــ ويقال: أبو عطية ــ مجهولٌ لا يُعْرَفُ إلا في هذا الحديث.
الجواب الثاني: قولُه فيه: «لا عدوى» نهيٌ لا نفي، أي: لا يُعْدِ٣ المُمْرِضُ المُصِحَّ٤ بحلوله عليه.
ويدلُّ على ذلك ما رواه أبو عمر النمري٥: حدَّثنا خلف بن القاسم: حدثنا محمد بن عبد الله: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد: حدثنا أبو هشام
(١) «الفصلان» ليست في (ت، ص).
(٢) تقدم تخريجه (ص: ١٥١٠).
(٣) في الأصول: «يعدي». بإثبات حرف العلة. هنا وفي الموضع الآتي. وحذفتها على الجادة، وليفهَم سياقُ الكلام.
(٤) (ت، ص، ق): «على المصح». والمثبت أشبه.
(٥) في «التمهيد» (٢٤/ ١٨٩، ١٩٠).
الرفاعي: حدثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: قال مالك: إنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن أبي عطية أو ابن عطية ــ شكَّ بِشْر ــ، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا طِيَرة ولا هامَ، ولا يُعْدِ سقيمٌ صحيحًا، وليحلَّ المُصِحُّ حيث شاء».
ففي هذا النهيِ١ كالإثبات للعدوى والنهي عن أسبابها، ولعل بعضَ الرواة رواه بالمعنى، فقال: لا عدوى ولا طيَرة ولا هامَ، وإنما مخرجُ الحديث النهيُ عن العدوى، لا نفيُها.
وهذا أيضًا حسنٌ لولا حديثُ ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ: «فمن أعدى الأول؟»٢.
فهذا الحديثُ قد فهمَ منه السامعُ النفي، وأقرَّه عليه ﷺ، ولهذا استشكَل نفيَه، وأوردَ ما أورده، فأجابه ﷺ بما يتضمنُ إبطالَ الدعوى، وهو قولُه: «فمن أعدى الأول؟».
وهذا أصحُّ من حديث أبي عطية المتقدِّم.
وحينئذٍ، فيُرجَعُ٣ إلى مسلك التلقيح المذكور آنفًا، أو ما قبله٤ من المسالك.