مفتاح دار السعادة

وعندي في الحديثين مسلكٌ آخر يتضمَّن إثباتَ الأسباب والحِكَم، ونفيَ ما كانوا عليه من الشرك واعتقاد الباطل، ووقوعَ النفي والإثبات على وجهه، فإنَّ القوم١ كانوا يثبتونَ العدوى على مذهبهم من الشرك الباطل، كما يقوله المنجِّمون من تأثير الكواكب في هذا العالم وسُعودها ونحوسها، كما تقدَّم الكلامُ عليهم.

ولو قالوا: إنها أسبابٌ أو أجزاءُ أسبابٍ إذا شاء الله صرَف مقتضياتها بمشيئته وإرادته وحكمته، وإنها مسخَّرةٌ بأمره لِمَا خُلِقَت له، وإنها في ذلك بمنزلة سائر الأسباب التي ربَط بها مسبَّباتها، وجعَل لها أسبابًا أخرَ تعارضها وتمانعها، وتمنعُ اقتضاءها لِمَا جُعِلَت أسبابًا له.

وإنها لا تقتضي مسبَّباتها إلا بإذنه ومشيئته وإرادته، ليس لها من ذاتها ضرٌّ ولا نفعٌ ولا تأثيرٌ البتَّة، إنْ هي إلا خلقٌ مسخَّرٌ مصرَّفٌ مربوب، لا تتحركُ إلا بإذن خالقها ومشيئته، وغايتُها أنها جزءُ سببٍ، ليست سببًا تامًّا، فسببيَّتها من جنس سببيَّة وطء الوالد في حصول الولد، فإنه جزءٌ واحدٌ من أجزاء كثيرةٍ من الأسباب التي خلقَ الله بها الجنين، وكسببيَّة شَقِّ الأرض وإلقاء البَذْر، فإنه جزءٌ يسيرٌ من جملة الأسباب التي يكوِّنُ الله بها النبات، وهكذا جملةُ أسباب العالَم من الغذاء والدواء والعافية والسَّقم وغير ذلك.

وإنَّ الله سبحانه يجعلُ من ذلك سببًا ما يشاء ويبطلُ السببيَّةَ عمَّا يشاء، ويخلقُ من الأسباب المعارضة له ما يحولُ بينه وبين مقتضاه.

فهم لو أثبتوا العدوى على هذا الوجه٢ لما أُنكِرَ عليهم.

  1. (١) غير بيِّنة في (ق، ت). (د): «العوام». تحريف. والمثبت من (ص).
  2. (٢) (ص): «الحكم».
1590

كما أنَّ ذلك ثابتٌ في الداء والدواء، وقد تداوى النبيُّ ﷺ، وأمر بالتَّداوي١، وأخبر أنَّ ما أنزَل اللهُ داءً إلا أنزَل له دواءً، إلا الهَرَم٢، فأعلمَنا أنه خالقُ أسباب الداء وأسباب الدواء المعارِضة المقاوِمة لها، وأمرَنا بدفع تلك الأسباب المكروهة بهذه الأسباب.

وعلى هذا قيامُ مصالح الدارين، بل الخلقُ والأمرُ مبنيٌّ على هذه القاعدة، فإنَّ تعطيلَ الأسباب وإخراجَها عن أن تكون أسبابًا تعطيلٌ للشرع ومصالح الدنيا، والاعتمادَ عليها والركونَ إليها واعتقادَ أنَّ المسبَّبات بها وحدها وأنها أسبابٌ تامةٌ= شركٌ بالخالق ﷿ وجهلٌ به وخروجٌ عن حقيقة التوحيد، وإثباتُ سببيَّتها على الوجه الذي خلقها اللهُ عليه وجعلها له إثباتٌ للخلق والأمر، للشرع والقدر، للسبب والمشيئة، للتوحيد والحكمة٣.

فالشارعُ يثبتُ هذا ولا ينفيه، وينفي ما عليه المشركون من اعتقادهم في ذلك.

ويُشْبِهُ هذا نفيُه ﷾ الشفاعةَ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ

  1. (١) انظر: «زاد المعاد» (٤/ ١٠، ١٣ - ١٧).
  2. (٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٨)، وأبو داود (٣٨٥٥)، والترمذي (٢٠٣٨)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، وغيرهم من حديث أسامة بن شريك ﵁.
    وصححه الترمذي، وابن حبان (٤٨٦)، والحاكم (٤/ ٤٠٠) ولم يتعقبه الذهبي، وخرَّجه الضياء في «المختارة» (١٣٨٣، ١٣٨٤، ١٣٨٥).
  3. (٣) انظر: «تلبيس إبليس» (٢٨٢)، و«مجموع الفتاوى» (١/ ١٣١، ٨/ ٧٠، ١٣٩، ١٦٩ - ١٨٠، ١٠/ ٢٥٧)، و«منهاج السنة» (٥/ ٣٦٦)، و«مدارج السالكين» (١/ ٢٤٤، ٣/ ٤٩٩)، و«طريق الهجرتين» (٣٩١).
1591

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي