مفتاح دار السعادة

كما أنَّ ذلك ثابتٌ في الداء والدواء، وقد تداوى النبيُّ ﷺ، وأمر بالتَّداوي١، وأخبر أنَّ ما أنزَل اللهُ داءً إلا أنزَل له دواءً، إلا الهَرَم٢، فأعلمَنا أنه خالقُ أسباب الداء وأسباب الدواء المعارِضة المقاوِمة لها، وأمرَنا بدفع تلك الأسباب المكروهة بهذه الأسباب.

وعلى هذا قيامُ مصالح الدارين، بل الخلقُ والأمرُ مبنيٌّ على هذه القاعدة، فإنَّ تعطيلَ الأسباب وإخراجَها عن أن تكون أسبابًا تعطيلٌ للشرع ومصالح الدنيا، والاعتمادَ عليها والركونَ إليها واعتقادَ أنَّ المسبَّبات بها وحدها وأنها أسبابٌ تامةٌ= شركٌ بالخالق ﷿ وجهلٌ به وخروجٌ عن حقيقة التوحيد، وإثباتُ سببيَّتها على الوجه الذي خلقها اللهُ عليه وجعلها له إثباتٌ للخلق والأمر، للشرع والقدر، للسبب والمشيئة، للتوحيد والحكمة٣.

فالشارعُ يثبتُ هذا ولا ينفيه، وينفي ما عليه المشركون من اعتقادهم في ذلك.

ويُشْبِهُ هذا نفيُه ﷾ الشفاعةَ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ

  1. (١) انظر: «زاد المعاد» (٤/ ١٠، ١٣ - ١٧).
  2. (٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٨)، وأبو داود (٣٨٥٥)، والترمذي (٢٠٣٨)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، وغيرهم من حديث أسامة بن شريك ﵁.
    وصححه الترمذي، وابن حبان (٤٨٦)، والحاكم (٤/ ٤٠٠) ولم يتعقبه الذهبي، وخرَّجه الضياء في «المختارة» (١٣٨٣، ١٣٨٤، ١٣٨٥).
  3. (٣) انظر: «تلبيس إبليس» (٢٨٢)، و«مجموع الفتاوى» (١/ ١٣١، ٨/ ٧٠، ١٣٩، ١٦٩ - ١٨٠، ١٠/ ٢٥٧)، و«منهاج السنة» (٥/ ٣٦٦)، و«مدارج السالكين» (١/ ٢٤٤، ٣/ ٤٩٩)، و«طريق الهجرتين» (٣٩١).
1591

عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وفي قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وإثباتُها في قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧].

فإنه سبحانه نفى الشفاعةَ الشِّركيَّة التي كانوا يعتقدونها وأمثالُهم من المشركين، وهي شفاعةُ الوسائط لهم عند الله في جلب ما ينفعُهم ودفع ما يضرُّهم بذواتها وأنفسها بدون توقُّف ذلك على إذن الله ومرضاته لمن شاء أن يَشْفَعَ فيه الشافع، فهذه الشفاعةُ التي أبطلَها اللهُ سبحانه ونفاها، وهي أصلُ الشرك كلِّه، وقاعدتُه التي عليها بناؤه، وآخيَّتُه١ التي يَرجِعُ إليها.

وأثبتَ سبحانه الشفاعةَ التي لا تكونُ إلا بإذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع قولِه وعملِه، وهي الشفاعةُ التي تُنال بتجريد التوحيد، كما قال ﷺ: «أسعدُ الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه»٢.

والشفاعةُ الأولى هي الشفاعةُ التي ظنَّها المشركون، وجعلوا الشرك وسيلةً إليها.

فالمقامات ثلاثة:

أحدها: تجريدُ التوحيد، وإثباتُ الأسباب، وهذا هو الذي جاءت به الشرائع، وهو مطابقٌ للواقع في نفس الأمر.

  1. (١) غير محرَّرة في (ق). (ط): «أخبيته». وهو تحريف. وتقدم شرحها.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٩٩) من حديث أبي هريرة.
1592

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي