الثاني: الشرك في الأسباب بالمعبود١، كما هو حالُ المشركين على اختلاف أصنافهم.
الثالث: إنكارُ الأسباب بالكلِّية محافظةً من مُنكِرها على التوحيد.
فالمنحرفون طرفان مذمومان؛ إمَّا قادحٌ في التوحيد بالأسباب، وإمَّا منكِرٌ للأسباب بالتوحيد، والحقُّ غيرُ ذلك، وهو إثباتُ التوحيد والأسباب، وربطُ أحدهما بالآخر، فالأسبابُ محلُّ حكمه الدِّينيِّ والكوني، والحُكمان عليها يجريان، بل عليها يترتَّب الأمرُ والنهي، والثوابُ والعقاب، ورضا الربِّ وسخطه، ولعنته وكرامته.
والتوحيدُ تجريدُ الربوبية والإلهية عن كلِّ شرك.
فإنكارُ الأسباب إنكارٌ لحكمته، والشركُ بها قدحٌ في توحيده، وإثباتُها والتعلُّقُ بالمسبِّب٢ والتوكُّلُ عليه والثقةُ به والخوفُ منه والرجاءُ له وحده هو محضُ التوحيد والمعرفة.
ففرقٌ٣ بين ما أثبته الرسولُ وبين ما نفاه، وبين ما أبطله وبين ما اعتبره، فهذا لونٌ وهذا لون، والله الموفِّق للصواب.
فصل
ويُشْبِهُ هذا ما رُوِي عنه ﷺ من نهيه عن وطء الغَيْل، وهو وطء المرأة إذا
(١) (ص، ق): «بالمعهود». (ت): «بالعهود». والمثبت من (د).
(٢) (ق): «بالسبب». وهو تحريفٌ فاحش.
(٣) في الأصول: «تفرق». وهو تحريف.
كانت تُرضِع، وأنه يشبهُ قتلَ الولد سرًّا، وأنه يُدْرِكُ الفارسَ فيُدَعْثِرُه١.
وقوله في حديثٍ آخر: «لقد هممتُ أن أنهى عنه، ثمَّ رأيتُ فارسَ والروم يفعلونه ولا يضرُّ ذلك أولادَهم شيئًا»٢.
وقد قيل: إنَّ أحدَ الحديثين منسوخٌ بالآخر، وإن لم نعلَم عَيْنَ الناسخ منهما من المنسوخ، لعدم علمنا بالتاريخ.
وقيل ــ وهو أحسن ــ: إنَّ النفيَ والإثباتَ لم يتواردا على محلٍّ واحد، فإنه ﷺ أخبَر في أحد الجانبين أنه يفعَل في الولد مثلَ ما يفعَل من يصرعُ الفارسَ عن فرسه، كأنه يُدَعْثِرُه ويصرعُه، وذلك يوجبُ نوعَ وَهْن٣، ولكنه ليس بقتلٍ للولد وإهلاكٍ له، وإن كان قد يترتبُ عليه نوعُ أذًى للطفل؛ فأرشدَهم إلى تركه، ولم ينهَ عنه، بل قال: «علامَ يفعلُ أحدُكم ذلك؟»٤، ولم يقل: لا تفعلوه، فلم يجئ عنه ﷺ لفظٌ واحدٌ بالنهي عنه.
ثمَّ عزَمَ على النهي سدًّا لذريعة الأذى الذي ينالُ الرضيع، فرأى أنَّ سدَّ هذه الذريعة لا يقاوم المفسدةَ التي تترتبُ على الإمساك عن وطء النساء مدَّة الرضاع، ولاسيَّما من الشَّباب وأرباب الشَّهوة التي لا يَكْسِرُها إلا مواقعةُ نسائهم.
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٣)، وأبو داود (٣٨٨١)، وابن ماجه (٢٠١٢)، وغيرهم من حديث أسماء بنت يزيد. وصححه ابن حبان (٥٩٨٤)، وحسنه ابن حجر في «الإصابة» (٧/ ٤٩٨). و«يدعثره»: يصرعه ويهلكه. «النهاية» (دعثر).