مفتاح دار السعادة

كانت تُرضِع، وأنه يشبهُ قتلَ الولد سرًّا، وأنه يُدْرِكُ الفارسَ فيُدَعْثِرُه١.

وقوله في حديثٍ آخر: «لقد هممتُ أن أنهى عنه، ثمَّ رأيتُ فارسَ والروم يفعلونه ولا يضرُّ ذلك أولادَهم شيئًا»٢.

وقد قيل: إنَّ أحدَ الحديثين منسوخٌ بالآخر، وإن لم نعلَم عَيْنَ الناسخ منهما من المنسوخ، لعدم علمنا بالتاريخ.

وقيل ــ وهو أحسن ــ: إنَّ النفيَ والإثباتَ لم يتواردا على محلٍّ واحد، فإنه ﷺ أخبَر في أحد الجانبين أنه يفعَل في الولد مثلَ ما يفعَل من يصرعُ الفارسَ عن فرسه، كأنه يُدَعْثِرُه ويصرعُه، وذلك يوجبُ نوعَ وَهْن٣، ولكنه ليس بقتلٍ للولد وإهلاكٍ له، وإن كان قد يترتبُ عليه نوعُ أذًى للطفل؛ فأرشدَهم إلى تركه، ولم ينهَ عنه، بل قال: «علامَ يفعلُ أحدُكم ذلك؟»٤، ولم يقل: لا تفعلوه، فلم يجئ عنه ﷺ لفظٌ واحدٌ بالنهي عنه.

ثمَّ عزَمَ على النهي سدًّا لذريعة الأذى الذي ينالُ الرضيع، فرأى أنَّ سدَّ هذه الذريعة لا يقاوم المفسدةَ التي تترتبُ على الإمساك عن وطء النساء مدَّة الرضاع، ولاسيَّما من الشَّباب وأرباب الشَّهوة التي لا يَكْسِرُها إلا مواقعةُ نسائهم.

  1. (١) أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٣)، وأبو داود (٣٨٨١)، وابن ماجه (٢٠١٢)، وغيرهم من حديث أسماء بنت يزيد.
    وصححه ابن حبان (٥٩٨٤)، وحسنه ابن حجر في «الإصابة» (٧/ ٤٩٨).
    و«يدعثره»: يصرعه ويهلكه. «النهاية» (دعثر).
  2. (٢) أخرجه مسلم (١٤٤٢) من حديث جدامة بنت وهب.
  3. (٣) (ق): «نوع نهي».
  4. (٤) لم أجده.
1594

فرأى أنَّ هذه المصلحةَ أرجحُ من مفسدة سدِّ الذريعة بوطئهنَّ١، ورأى الأمَّتين اللتين هما من أكثر الأمم وأشدِّها بأسًا يفعلونه ولا يتَّقونه، مع قوَّتهم وشدَّتهم، فأمسَك عن النهي عنه.

فلا تعارضَ إذًا بين الحديثين، ولا ناسخَ منهما ولا منسوخ، والله أعلم بمراد رسوله٢.

فصل

ويُشْبِهُ هذا قولُه ﷺ٣ للذي قال له: إنَّ لي أمَةً، وأنا أكرهُ أن تحبَل، وإني أعزِلُ عنها، فقال: «سيأتيها ما قُدِّرَ لها»٤.

فليس بين هذه الأحاديث تعارض، فإنه ﷺ لم يقل: إنَّ الولدَ يُخْلَقُ من غير ماء الواطاء، بل أخبر أنه سيأتيها ما قُدِّر لها ولو عَزَل، فإنه إذا قُدِّرَ خلقُ الولد قُدِّرَ سبقُ الماء والواطاءُ لا يشعر، بل يخرجُ منه ماءٌ يمازجُ ماءَ المرأة لا يشعُر به يكونُ سببًا في خلق الولد.

ولهذا قال: «ليس من كلِّ الماء يكونُ الولد»٥، فلو خرج منه نطفةٌ لا

  1. (١) غير محررة في الأصول، رسمها يشبه: «وطرين». وفي (ط): «فنظر».
  2. (٢) انظر: «تحفة المودود» (١٩٢)، و«زاد المعاد» (٥/ ١٤٧).
  3. (٣) فيما أخرجه مسلم (١٤٣٩) من حديث جابر.
  4. (٤) هاهنا بياض في (د) بمقدار سطرين ونصف، كأنَّ المصنف تركه في أصله ليكتب الأحاديث التي تدلُّ على أن الولد يخلق من ماء الرجل والمرأة، وظاهرها يوهمُ معارضة هذا الحديث. ويدل لذلك قوله: «فليس بين هذه الأحاديث تعارض»، وهو إنما أورد حديثًا واحدًا لا معارض له.
  5. (٥) أخرجه مسلم (١٤٣٨) من حديث أبي سعيد الخدري.
1595

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي